العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

حول النقل والناقل والمنقول...

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

(لا تصلح عربٌ ملوكها عجم)- ربما حين قالها المتنبي الشاعر، كان يظنُّ بأن قوله سيصفُ حال العرب لفترة مؤقتة في زمنه فقط، ومن ثم سيصلح حال العرب بعد حين.

إنما وبعد مرور مئات من السنين على زمن المتنبي، سنقول ما أشبه الأمس باليوم، والأمس القريب هو نفسه الأمس البعيد، فالزمن متوقفٌ بالنسبة للعرب لم يتحرك، وحالهم اليوم هو نفسه حالهم في الماضي.

لا تصلح عربٌ ملوكهم عجمُ، وسنضيفُ نحن إلى ذلك، أيضاً لا تصلح عربٌ علومهم وثقافتهم نقلٌ وليست خلقاً وإبداعاً، ولا تصلحُ عربٌ غذاؤهم ولباسهم وأدواتهم وأغراضهم وحاجاتهم وكل وسائل استمرار حياتهم تأتي استيراداً واستعارةً وليست صناعة وتصنيعاً، وليس في مهامهم وفي برامجهم ما يغني عن ذلك مستقبلاً.

ليست المشكلة في نقل الثقافة والعلوم والصناعة والاقتصاد، فنحن نؤمن بالعولمة، ونؤمن أن هذا الكون صار قريةً صغيرةً، يتمُّ فيه تبادل المعارف والعلوم والثقافات والخبرات، إنما المشكلة تكمنُ في أن العرب لا يملكُون ما يفيد هذا التبادل العالمي إلا بتقديم أموال النفط المهدورة فيما لا ينفع المستقبل العربي، فبدلَ أن تُصرفَ أموال النفط على التنمية والتطور الإنساني وإنشاء المعاهد والجامعات والمصانع وبرامج التطور الحقيقي، فقد صُرِفتْ تلك الأموال على إنشاء البنايات الشاهقة وشراء السيارات الفارهة واليخوت والشاليهات والسياحة في دول الخارج واللهو والتسلية في مواخير العالم، وبقي التخلف متغلغلاً في المجتمعات العربية، ولم يحدث التبادل الحضاري مع دول العالم رغم وفرة أموال النفط.

وليست المشكلة فقط في أن العرب تنقل نقلاً ولا تبدع، بل المشكلة أيضاً أن العرب لا تستفيد تماماً من هذا النقل على الوجه الصحيح، بل يتفرقون إلى فئاتٍ تتجادل حول توافق المنقول مع الإرث الديني والاجتماعي والسياسي، فيبقى المنقول مجال جدل واختلاف، دون التوافق على دمجه في مجتمعاتهم، فلا يستفيدون من نقله تماماً، ولا يبدعون غيره، فيزداد جهلهم جهلاً، وتخلفهم تخلفاً.

ويبقى الجدل حول شرعية المنقول أهم من البحث في أهمية المنقول نفسه، فيضيع المعنى وتضيع الغاية من النقل، وتضيع الفائدة منه، ويبقى المنقول غريباً، لا يدخل في تطور ثقافة العرب، ولا يتطورون بثقافة يصنعونها هم.

ظلّت مشاكل العرب عبر التاريخ لم تتغير، ومازالت حياة العرب رهن النزاع حول السلطة الدينية والسياسية، رهن الدسائس والمؤامرات، تلك هي حياة العرب ظلَّت بعيداً عن الاستقرار المدني والانساني والحضاري، وبقيت مشاكل العرب تتفاقم حول كون دراسة تاريخ الأجداد ودراسة الماضي أهمّ من دراسة الحاضر، وأهم من دراسة مستلزمات التطور والتنمية، مع الإصرار على رفض الأفكار الحديثة المنقولة، وعدم استقراء أسباب الحضارة والتطور للمجتمعات الأخرى، وعدم الاقتناع بكشف أو الإفصاح أو الإشارة إلى مواطن الضعف الحقيقي والاضطراب الفكري، وعدم التفكير العقلي السليم الذي لا يشير إلى مواطن الخلل في التفكير، بل تجري الإشارة بشكل مواربٍ إلى أسبابٍ أخرى تكون بعيدة عن الحقيقة، وليست هي المشكلة الحقيقية في هذا الجمود الفكري أو التخلف المستمر.

ما بين التناقض في التغني بتاريخ الأجداد ومستلزمات الحاضر، يعيش الإنسان العربي الخيبة، وعدم الثقة بالنفس، ويبقى رهين الصراعات السياسية والدينية والاقتصادية، رهين الارتباط بالغرب في مجال المال والبنوك فقط، دون الارتباط معه في مجالات الفكر التنموي والحضارة المستمرة في التطور.

لا تفلح عربٌ ملوكهم عجم، وسأضيف إلى قولك أيضاً أيها المتنبي، لا تفلح عربٌ تسابقوا على إنشاء الأبراج الشاهقة، والعمارات الفخمة، واهتموا بطراز البناء، دون الاهتمام بما يفيد البناء نفسه للمجتمع الذي لا شكَّ بأنه سيعاني طويلاً من ويلات عدم الاندماج الحضاري مع مجتمعات العالم الراقية.

تمت قراءته 77 مرات