العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

سورية المستقبل.. البرلمان الصحيح أولاً

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 سألت صديقي الذي أمضى دورتين تشريعيتين نائباً في البرلمان: هل تعتقد بأنك قمت بعمل مفيد يخدم ناخبيك الذين تمثلهم خلال هذه السنوات الثماني؟ قال لي: نعم، لقد صفقتُ مرتين تصفيقاً كاملاً، وصفقت مرة واحدة نصف تصفيقة فقط، فقد كنتُ نائماً في إحدى الجلسات، وعندما حدث التصفيق كانت إحدى يديَّ مخدرة بسبب اتكائي عليها، فما كان مني إلا رفعتُ يداً واحدةً لألوِّح بها في الهواء متمثلاً عملية التصفيق، حتى لا يقالُ بأنني لم أصفق، هذا كل ما قدمته من عمل خلال وجودي نائباً في البرلمان، ألا يكفي هذا المجهود وهذه الخدمة للناخبين؟

سألته: ولماذا صفقت أصلاً في المرات الثلاث؟ قال: من الطبيعي أن أصفق عندما يصفق الآخرون.

وفي حديثٍ مع عضو برلمان آخر، سألته: هل سبق لك أن رفضتَ قراراً أو مرسوماً أو مشروعاً، لم يعجبك وتتوقع بأن لا يعجبَ ناخبيك؟ قال: لا لم يحدث ذلك، فرئيس الجلسة يطرح التصويت على أي موضوع، ودون أن يترك فرصة زمنية للتفكير يقول: موافقون إجماع، بحجة أن الموضوع قد جرت مناقشته والاتفاق عليه مسبقاً، دون ترك فرصة لأحدٍ أن يقول لا، وبالطبع لم نعتدْ أن يقولها أحدٌ أصلاً.

ما سبقَ من كلام يعرفه كلّ السوريين، ويضحكون بأسف وحزن على واقع الحال بأن يكون برلمانهم هكذا، ويتندرون بتبادل الطرائف والنكات حول مهمة أعضاء مجلس الشعب، وعدم فعاليتهم بأي مجال أو مشكلة تهم المواطن السوري، إن كان في المجال الاقتصادي أو التمويني أو السياسي أو القضائي أو التعليمي أو الخدمي، على سبيل المثال ولا داعي لذكر كل المجالات التي يرغب المواطن السوري أن تكون له كلمة ورأي فيها.

صارت مواسم الترشيح وما يرافقها من الحملات الدعائية والإعلامية، أموراً تثير السخط والسخرية في النفوس، لما يتخللها من الدعاية البعيدة عن الواقع، والكذب المكشوف والمعروف لدى الكبير والصغير من السوريين.

تبدأ عملية السخرية في البداية من التمثيل الواضح في عملية الترشيح لاختيار المرشحين التي تكون في هيئتها المعلنة بأن يكون اختيار مرشح واحد لعدد معين من المواطنين في المنطقة الجغرافية الواحدة، فيما تكون الحقيقة هي التعيين الواضح لأشخاص معروفين مسبقاً من العشائر والطوائف والأحزاب والهيئات والنقابات وتعيينهم تعييناً وليس انتخاباً، وهم الأسماء والأشخاص أنفسهم الذين جُرّبوا في عدة دورات تشريعية سابقة دون تقديم أي فائدة أو مصلحة لناخبيهم، وكأن النساء عجزت عن ولادة غير هؤلاء الأشخاص الذين يتكررون دائماً دون فائدة للمجتمع الذي يمثلونه، وصار السوريون يعرفون فوراً نتائج الانتخابات ويعلنون النتائج بتهكم وسخرية، حتى قبل أن يبدأ الاقتراع في الصناديق لأن الوجوه صارت معروفة حتماً لا تتغيَّر ولن تتغيَّر.

حتى يكون البرلمان أو مجلس الشعب فعالاً، يجب انتخاب الأعضاء انتخاباً فعلياً من المرشحين المؤهلين للعضوية حسب شهاداتهم العلمية وحسب كفاءتهم الاجتماعية وحسب اهتمامهم بالتجديد والتطوير والتحديث الفعلي، ولسنا ضد الطوائف والعشائر والأحزاب والهيئات والنقابات في أن ترشّح ممثليها، فهم من صلب المجتمع ولكن ينبغي أن يكون اختيار ممثليهم قائماً على أســـــس صحيحة في الاختيار من المــؤهلين فعلاً، حسب الأنظمة والقـــوانين، وليس لاعتبارات شخصية خاصة، لأشخاصٍ لا يرون في البرلمان إلا الوجاهة والمنفعة المالية والمادية، التي يكسبها عضو البرلمان.

من الأمور التي يسخر منها السوريون، لأنها فعلاً تثير مجالاً للسخرية، هي طريقة سير الحملات الانتخابية للمرشحين، بإنشاء أماكن احتفال وتجمّع خاصة في الشوارع والساحات، تتحول هذه الأماكن إلى مواضع استعراض ليلية ونهارية، يجري فيها شراء النفوس والأصوات والمهاترات الدعائية بطرق مخزية ومضحكة، دون الاستناد لواقع يريده الشعب الذي سينتخبهم، وتُصرف فيها الأموال الطائلة التي يُشكُّ في مصدرها أصلاً، ويتمنى المواطن لو تُصرف هذه الأموال على تقديم الورود والمواد التي يحتاجها المرضى في المشافي، والعمال في معاملهم، وعاملو النظافة في الشوارع، والمحتاجون في بيوتهم، بدل هدر تلك الأموال في الحفلات الدعائية الكاذبة.

إصلاح البرلمان أولاً يبدأ بإصلاح عملية الترشيح، وإصلاح عملية الاقتراع، وترك المجال لعضو البرلمان أن يقرر وأن يكون له الرأي في الرفض أو القبول للقرارات والمراسيم والمشاريع حسب رغبة الناخبين الذين انتخبوه.

الإصلاح الحقيقي لا بد أن يحدث مستقبلاً ومنذ الآن، لإعادة الهيبة والقوة للبرلمان فعلاً وليس قولاً، وبإصلاح البرلمان يمكن بعد ذلك تلقائياً، إصلاح أجهزة الحكومة والوزارات بكل هيئاتها ومؤسساتها.

تمت قراءته 197 مرات