العدد:753
تاريخ 18/ كانون الثاني/ 2016
 

جنوح الشباب نحو التعصب الديني

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

التساؤل المنطقي والمهم الذي يشغل التفكير: لماذا يتجه بعض الشباب، ممن هم في سن التكوين، في سن المراهقة، إلى الانخراط في تيارات التعصب الديني، ويصبحون جزءاً أساسياً فيها وفي تنظيماتها الهدامة للحضارة والمجتمع، بينما من المفروض أن يكونوا أساساً للتقدم والحضارة والفكر العلماني، لما يتوفر لهم من أدوات العلم والمعرفة، وأجهزة المعلوماتية الحديثة؟

يبدو أن المجتمعات، مهما اختلفت مستوياتها الفكرية والحضارية والثقافية، ستبقى تعاني من مسألتين أساسيتين هما: التعصّب القومي، والتعصب الديني، وإن خبت جذوة هاتين المشكلتين لفترة من الزمن في أي مجتمع، فسرعان ما ستعودان للاشتعال من جديد لدى أول  هبّة ريح مفاجئة، بسبب خلل في المناخ السياسي لهذا المجتمع أو ذاك، وهذا ما رأيناه في العديد من حالات الصراع القومي أو الديني في المجتمعات الأوربية المتحضرة بعد انفكاكها من سلطة النظام الاشتراكي العالمي، الذي كانت قوته على ما يبدو هي التي تحافظ على الوحدة الدينية والقومية لتلك الشعوب، إنما سرعان ما بدأت تحتدم مختلف الصراعات فيها لدى أول  فرصة للانفلات من القيد العسكري لتلك المنظومة الاشتراكية، وهذا ما نراه حتى الآن في أوربا، إذ تظهر كل فترة مشكلة تشكيل جماعات من الشباب متعصبة دينياً وقومياً، لمواجهة اللاجئين من مناطق الصراعات العديدة في هذا العالم، وطردهم ومنع استقرارهم في البلدان التي تمنحهم حق اللجوء.

في العالم العربي، برز، في أواسط القرن العشرين، الاهتمام بالفكر القومي العربي، والتوجه التنويري للمفكرين العرب، وسيطرت الثقافة العلمانية، وكادت هذه القضايا أن تصل بالمجتمعات العربية إلى حالة راقية وحضارية، ثقافياً وفكرياً واجتماعياً، فكانت الجامعات والمدارس والمعاهد، والمؤسسات العامة والخاصة، وكل هيئات المجتمع، بعيدة عن التعصب الديني والقومي، وكان اهتمام الشباب بالثقافة والدراسة والتحصيل العلمي، والفنون بكل أنواعها، وبالعلم والآداب، والتربية البدنية، والحوار والنقاش الإيجابي، والاهتمام بالمنظومات الوحدوية والاشتراكية، وبالأحزاب العلمانية التقدمية، إلا أن بعض التحولات السياسية التي حدثت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، مثل تحول بعض الدول المتاخمة للمنطقة العربية من النظام العلماني إلى النظام الديني الطائفي، وقيام بعض التنظيمات المسلحة على أسس طائفية، هذا ما جعل الشباب يتجهون للانخراط في تلك التنظيمات والتكتلات على مبدأ قوانين الفعل ورد الفعل، لمواجهة ما يتراءى لهم من الأخطار المحتملة من تلك المتغيرات المحلية والدولية، فسيطر التعصب الديني على التفكير، واستحوذ هذا الفكر على عقول نسبة كبيرة من اهتمام هؤلاء الشباب، بذريعة الدفاع عن مجتمعاتهم ضد أخطار قادمة، ورضخوا لمن يخطط لهم من مروجي الأفكار الطائفية العنصرية، وظهرت علناً قضايا تكفير الآخر.

برزت تلك المشاكل في المجتمعات العربية بالتزامن مع التراجع الواضح في الانتماء القومي، بسبب ارتباط أغلب الدول العربية بالمصالح والعلاقات الخارجية مع بعض القوى العالمية، على حساب الاستقلال الحقيقي لتلك الدول، وتوضحت هيمنة السلطات السياسة، بعيداً عن القوانين الديمقراطية العالمية، وبعيداً عن حقوق الإنسان، وعدم اهتمام الحكومات بالعمل على التطور السياسي والثقافي والاقتصادي، مما جعل الشباب في صراع فكري يحتدم داخل ذواتهم.

ومما زاد الطين بللاً أيضاً، هو عدم اهتمام الحكومات العربية بالمشاريع التنموية والاقتصادية، التي تجعل الشباب مندمجين عاملين فيها، فوجد الشباب أنفسهم في فراغ قاتل للنفس والتفكير، الفراغ من العمل والإنتاج، تلك الأسباب ستطيح بمستقبلهم المادي والمعنوي، وبتفاعلهم مع المجتمع، فكان من السهل قيادة نفوس هؤلاء الشباب وتفكيرهم نحو غايات وأهداف استغلها المتشددون دينياً ومذهبياً، لتوجيه عقولهم نحو أفكار هدامة، قائمة على العنف ورفض الآخر، تلك الأفكار والأسباب تجعل الشاب في حيرة سياسية واقتصادية ودينية واجتماعية، ويصبح في حالة دائمة من القلق والخوف على نفسه وأسرته ومجتمعه، لما يراه فيما حوله من صور لأشكال الصراعات، وأنواع الاضطرابات، وتزايد العنف والعدوانية، وللأسف دائماً يجري، وبشكل منافٍ للحقيقة، إظهار أن الأحقاد الطائفية والدينية والتعصب القومي، هي الأساس لنشوب تلك الصراعات والاضطرابات، بينما أسبابها الحقيقة هي فشل السياسات المتخلفة في إدارة المجتمعات، ولا شك في أن إزالة تلك الأسباب تعيد الشباب إلى مكانهم الطبيعي من طلب العلم والعمل، والانخراط في البناء الصحيح للمجتمع.

تمت قراءته 621 مرات