العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

هل توجد نظرية نقد عربية؟ (1 من 2)

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 إنه سؤال ملّح قد طرح منذ عدة عقود، ولايزال يطرح من بعض الذين يشتغلون في المجال الأدبي، وتكمن خطورته في أنه يتعلق بالهوية القومية ويرتبط باللغة والإنجاز الحضاري لشعوبنا العربية.. ولذا ليس سهلاً ولا سطحياً، ولكنه سؤال يشف عن نبرة واضحة من التفاؤل توحي بشيء من الاطمئنان لوجود إبداع عربي.

بيد أن هذا السؤال يتضمن شيئاً من التناقض، يبدو جلياً للوهلة الأولى، فافتقاد النظرية ليس مقصوراً على النقد الأدبي فحسب في الحياة العربية المعاصرة، بل يكاد يكون شاملاً لجميع المجالات.

لا توجد لدينا نظريات علمية ينتجها المجتمع العلمي في البلدان العربية، لأن هذا المجتمع لم يتكون أصلاً حتى ينتج نظريات ومنتجات ومؤسسات، وليس لدينا نظريات في الفلسفة ولا في مجالات أخرى ترتبط بالواقع اليومي المعاصر، ولكي نشبع هذه الحاجة نعود دائماً إلى استحضار تراثنا وحضاراتنا وذخيرتنا المكنوزة المستدعاة دائماً لتعويض هذا النقص، فلماذا على وجه التحديد نتوقع في جانب معرفي واحد متصل بالفكر الأدبي، أن تكون هناك نظريات عربية، بينما لا توجد في بقية المجالات المعرفية والإنسانية الأخرى بشكل واضح وقاطع؟

ولكن هل تنفصل حركة النقد عن إطارها الفلسفي، وعن مختلف المعارف الأخرى، حتى يمكن أن ننتظر منها بزوغ نظرية عربية لم تظهر ملامحها ولم تنجل في أي جانب آخر من الجوانب المعرفية؟

إنها حزمة من الأسئلة المتشابكة التي يترتب بعضها على بعضها الآخر، ولابد من مواجهتها بقدر من الصبر والتأمل. من هنا يجب أولاً تحديد المفاهيم، لأنها خطوة إجرائية ضرورية، إذا تحقق اجتيازها بنجاح أصبح بالإمكان التكلم بلغة تواصل.. فما النظرية؟

من الضروري أن تتوافر للنظرية أربع خصائص حتى تستحق هذه التسمية.

الخاصية الأولى أنها إنسانية عامة، كانت في مرحلة من المراحل مرتبطة بالعقل البشري، ثم أصبحت في المرحلة الحالية لا ترتبط بالعقل أو المنطق وإنما بالعلم.

الخاصة الثانية، أن تكون علمية لا أيديولوجية يشوبها قدر كبير من التكييف الأيديولوجي في نشأتها أو تطورها أو في تلقيها، ولكن تصبح نظرية بقدر ما تحققه من درجة علميتها.

الخاصية الثالثة: أن تكون شارحة للظواهر التي تتناولها، وفي حالتنا هذه للظواهر الأدبية بصفة خاصة.

الخاصية الرابعة: أن تكون قابلة للتجاوز والتحاور والتغير من عصر إلى عصر آخر.

وعندما يتبين أن النظرية لم تعد تفي بهذه الشروط، تتقادم ويصبح من الضروري تقديم نظرية أخرى تتفادى عيوب النظرية السابقة، وتحل محلها، وهذا يحدث بشكل واضح ومسلم به وبديهي في العلوم الطبيعية، ويحدث بشكل تقريبي في العلوم الإنسانية أيضاً.

نظرية النقد ترتبط بالأدب والفن لتجيب عن عدد من الأسئلة الأساسية، مثلاً.. ما الأدب؟ سؤال الماهية الذي طرح منذ منتصف القرن الماضي، ومازال يطرح حتى الآن، وإذا أخذنا بمنطق فلسفة الظواهر، اكتفينا بسؤال آخر يحل محل سؤال الماهية وهو: ما مظاهر هذا الأدب، على الأقل؟ وهذا سؤال أكثر وأقل جوهرانية.

وعلى هذا فإن سؤال الظواهر والأجناس الأدبية هو السؤال الأول في أي نظرية نقدية.

السؤال الثاني: ما شبكة علاقة هذا الإنتاج الأدبي بالأطراف المختلفة له؟ علاقته بالحياة، وعلاقته بمبدعيه، وعلاقته بمتلقيه؟ لابد للنظرية أن تقدم تصوراً لهذه الشبكة عن علاقة الأدب بالأطراف المتعددة.

السؤال الثالث: ما الوظائف التي تناط بالإبداع الأدبي؟ وظائف جمالية فنية، ووظائف اجتماعية.

السؤال الأخير: ما علاقة الأدب النوعي بغيره من الفنون التي تحقق بعض هذه الوظائف الجمالية المختلفة؟ علاقة الأدب بالموسيقا، علاقته بالفن التشكيلي وغير ذلك من الفنون، بما فيها الفنون المحدثة من سينما وغيرها.

إن أي نظرية نقدية كي تكون منظومة من المبادئ المتجانسة والمتكاملة وتحقق شروط النظرية، ينبغي بها أن تقدم تصوراً أولياً عن هذه الجوانب يضيء ويكثف عن طبيعة فهمها والإطار المعرفي الذي تندرج فيه.

المسألة الأخرى أننا ونحن نتحدث عن نظرية نصفها بأنها عربية، وإذا اتفقنا على مفهوم النظرية، فلنتفق على مفهوم العروبة.. ما مفهوم العروبة؟

هل هو الانتماء العرقي لمجموعة من القبائل والطوائف المتجانسة والمتداخلة لدى شعوب مختلفة في منطقة جغرافية واحدة؟ أم هو هوية قومية قوامها اللغة والثقافة بكل مكوناتها؟ ربما كان مفهوم العروبة أقرب إلى هذا الجانب الفلسفي منه إلى الجانب العرقي السابق، لأن السوريين مثلاً مثلهم مثل المصريين والعراقيين اختلطت أجناسهم، وفكرة الصفاء العرقي ما هو سوى خرافة، ومن يزعمها فهو عنصري، وقد أكدت ذلك الأنثروبولوجيا بشكل علمي. إذاً، تصبح العروبة هوية قومية قوامها اللغة والثقافة بكل مكوناتها الروحية، ومنظومة القيم التي تتمخض عنها هذه الثقافة هي التي تمثل العروبة.

إن النتيجة التي نستخلصها من هذا التعريف المبدئي، أن مصطلح نظرية نقدية عربية يصبح مصطلحاً مغلوطاً..

عندما نستعرض تاريخ النظريات بالفعل، لا يكون بوسعنا التحدث عن نظرية فرنسية في العلم أو إنكليزية في الفن، لأنها إما أن تكون نظريات علمية أو لا تكون، أما أين نشأت وفي أي لغة نبت، ومن رحم أي ثقافة تولدت، فهذا موضوع آخر لا يبرر أن نصفها بالصفة القومية، أو أن ننسبها إلى هوية أو لغة، ولكن من الملاحظ في النطاق العالمي أن هناك إسهامات جذرية مؤسسة تقوم بها شعوب مختلفة.

وفي النظريات النقدية- على وجه الخصوص- هناك بالتأييد إسهامات فرنسية وإنكليزية وألمانية وأمريكية وروسية في نظريات النقد المعاصرة؟

إن النظرية منظومة فكرية متجانسة لها شروطها، ولابد لانبثاقها من توافر قدرة على التفكير المنظم حول مجموعة من المبادئ المتماسكة، والوصول بها إلى درجة عالية من التجريد والتكامل من ناحية، وقابلية التطبيق العلمي في الممارسة من ناحية ثانية، وهذا يقتضي مساحة واسعة من الحرية، ليس بوسع أي منظر أن يلتزم بثوابت أو أن ينطلق من مسلمات لا يستطيع تجاوزها، لأنه حينئذ سوف يصبح شارحاً لا منظراً.

إن الشرط الأساسي للتنظير هو امتلاك الحرية والقدرة على التجرد من الأيديولوجيا، ابتداء من العقائد الدينية إلى التيارات السياسية والميول الشخصية والأهواء وغيرها، وامتلاك الباحث لحريته الكاملة هو المنطلق الأساسي للموقف الفلسفي، لأن الموقف الذي يبدأ بافتراض مسلمات وثوابت لا يستطيع تجاوزها، لا يعدو إطلاقاً  كونه شارحاً لهذه المبادئ والمسلمات.

الشرط الثاني: أن الأبنية النظرية لا تولد مرة واحدة، وإنما تخلق دائماً في بيئات وأرحام مساعدة تحتضنها، بمعنى أن أي بناء نظري لا يبدأ من الصفر، ودائماً يعتمد على منجزات سابقة يختارها الباحث بعناية ثم يتم الاستناد إليها طبقاً لمفهوم فكرة التراكم المعرفي، ويوظف بعض هذه القطع التي اختارها، ثم يصنع منها النموذج النظري.

ومن المعروف أن مصطلح القطيعة المعرفية مصطلح سيئ السمعة في الثقافة العربية، لأنه دائماً ما يُفهم بأنه إلغاء الماضي وتجاهل التراث والقفز عليه، وهو ليس من ذلك في شيء، فالقطيعة المعرفية هي أن تتشبع بكل إنجازات الماضي، ثم في لحظة معينة تتركها جانباً وتقفز قفزة عالياً لكي تبني تصوراً مخالفاً لها.. لكن لولا هذا التراكم لما كان بوسع المنظرين والمثقفين إحداث قطيعة. إن كل شخص يقاطع إذا أراد ما يعرفه ويستطيع تجاوزه، ولكنه لا يستطيع مقاطعة ما يجهله.

إن شرط النظرية الثاني إذاً هو التراكم المعرفي، أي أن نبني أبنيتنا منطلقين من منجزات الآخرين، لأن كل عمل أو فكرة يبدأ من نقطة الصفر لا يمكن أن يؤهل أحداً لبناء نظري شامل.

تمت قراءته 895 مرات