العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

آفاق التحالفات في عمل الحزب الشيوعي الموحد

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 خيراً فعلت اللجنة المركزية حين وضعت على بساط البحث في اجتماعها الأخير يوم الجمعة 7 /10/ ،2016 مسألة التحالفات في عمل الحزب، وقد أشار العديد من الرفاق- في أثناء النقاش- إلى ضرورة تناول هذه المسألة بكيفية أخرى، ومنحها الوقت الكافي، وإتاحة الفرصة لأعضاء المركزية تتجاوز الدقائق الثلاث التي كان عليهم أن يختزلوا فيها آراءهم، وخيراً فعلت أيضاً حين استجابت لذلك وقررت الإعداد الجيد للبحث، وطرحه من جديد أمام المركزية.

لقد أظهرت المناقشة العجلى بصورة جلية، أننا أحوج ما نكون إلى قراءة نقدية لتجربتنا في ميدان التحالف، في هذه الظروف الخطيرة والتراجيدية التي تعيشها بلادنا، فالفكر الماركسي هو فكر نقدي جدلي قبل كل شيء، وبهذه السمة لا بد له من الاستفادة من دروس التجربة السالفة، بهدف تطوير العمل، وتقديم مفاهيم جديدة، وطرح آراء ومقولات خلاقة ترسم آفاقاً ملهمة، وتحفز على النشاط، والتحرر من التكرار، والكسل الفكري، وغياب الإبداع.

ولعل العودة إلى التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن الحزب الذي تأسس منذ 92 عاماً كان جزءاً من الحركة الشيوعية، واستلهم على الدوام استراتيجية هذه الحركة،، فقد مهّد المنظرون السوفييت طريق التقارب بين الأحزاب الشيوعية وغيرها من أحزاب البرجوازية الوطنية، والأحزاب القومية، والمثقفين الوطنين والتقدميين، بعد سنوات طويلة من الزعم بأنه ليس ثمة ضرورة لأحزاب أخرى، فلدى مناقشة دستور عام 1936 أكدت القيادة السوفييتية آنذاك بأنه (في الاتحاد السوفييتي لا يُسوّغ أن يقوم سوى حزب واحد هو الحزب الشيوعي، الذي يذود وبجرأة عن مصالح العمال والفلاحين إلى آخر المدى). غير أن صعود حركة التحرر الوطني العالمية، في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين، بعد الحرب العالمية الثانية، طرحت أمام أحزاب الحركة الشيوعية ضرورة التحالف مع غيرها من الأحزاب القومية والوطنية.

تحالف الخمسينيات

ليس من المبالغة القول إن تجربة حزبنا في التحالف إبان خمسينيات القرن الماضي كانت تجربة نوعية وفريدة، ومن يومذاك أصبح التحالف ركناً أساسياً من أركان سياسة حزبنا، كانت سورية آنذاك تعيش مرحلة من أهم المراحل في تاريخها، وليس أدلّ على ذلك من الانتخابات البرلمانية التي أشرفت عليها حكومة سعيد الغزي، الذي كان يعرف دور المحافظين والقائمقامين وتأثيرهم على الانتخابات، فعمد إلى نقل كل محافظ وقائمقام قبل شهر من الاقتراع كي يحطّم أي تواطؤ، وعمد إلى نظام الغرفة السرية، فشكل حرصه على النزاهة ثورة في التجربة الانتخابية السورية والعربية.

لقد وجهت قيادة الحزب آنذاك الدعوة لجميع أعداء الإقطاع والرجعية والاستعمار كي يوحّدوا قواهم، ويخوضوا الانتخابات البرلمانية في جبهة وطنية موحدة. وترددت أصداء هذه الدعوة في طول البلاد وعرضها، واستجابت لها قوى حزبية وشخصيات وطنية، وتمخض عن هذه الانتخابات برلمان ضم تجمّعاً يسارياً ووطنياً متنوعاً، فيه حوالي ستين نائباً بينهم الأمين العام للحزب الشيوعي، وأكثر من عشرين نائباً بعثياً، إضافة إلى كتلة خالد العظم ومجموعة من المستقلين الوطنيين، وأعلنت صحيفة النيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في تشرين الأول عام 1954 أن سورية قد أصبحت زعيمة الشيوعية في العالم العربي.

شكّل التحالف بين حزبنا وحزب البعث وهما في ساحة المعارضة، وفي ظلال الديمقراطية، الفترة الذهبية في تاريخ التحالف في بلادنا، وكان تحالفهما خير مثال للعمل الوطني والتقدمي المثمر والبناء، ولعله الشكل الصحيح للتحالف، فقد حافظ كل حزب على إرادته المستقلة في العمل، وبرز التنافس والتباين في وجهات النظر في كثير من النشاط، دون أن يؤدي ذلك إلى التناحر والصراع. واستطاع هذا النهج من العمل التحالفي أن ينهض بدور حاسم في صيانة استقلال البلاد، وأن يسهم في نشر الوعي السياسي الذي اتسعت دائرته في أرجاء الوطن عامة، وتحطّمت على صلابته موجات التآمر المتلاحقة، التي شهدتها البلاد. فلقد أغتيل العقيد عدنان المالكي في 22 نيسان 1955 ما أثار جواً من الغضب الشعبي، وجرت التحقيقات والمحاكمات العلنية، التي زادت من متانة الوحدة الوطنية، تلا ذلك مؤامرة حلف بغداد عام ،1956 التي ترافقت مع العدوان الثلاثي على مصر، كل ذلك بهدف تقويض المد التحرري القومي في مصر، والإجهاز على القوى الوطنية واليسارية في سورية، وتغيير اتجاه الدفة واستعادة الغرب لنفوذه، غير أن السحر انقلب على الساحر، فدُحر العدوان وتزايدت مكانة القوى الوطنية والديمقراطية وتعاظم نفوذ الحزب الشيوعي السوري، وعمّ نشاطه المدن والقرى والأرياف، والتفّت حوله جماهير الفلاحين والعمال واستقطب الشخصيات الوطنية وخيرة المثقفين، وأصبح نفوذه في الساحة السياسية يثير كل يوم حفيظة الغرب الاستعماري، الذي لم يتوقف عن ترويج المزاعم بأن الحزب الشيوعي قاب قوسين وأدنى من استلام السلطة، وهو في طريقه لقيادة البلاد. وقد استمر هذا النهج حتى قيام الوحدة السورية.

تحالف السبعينات

شكل التحالف الذي شهدته البلاد في سبعينيات القرن الماضي، والمتمثل بقيام الجبهة الوطنية التقدمية نموذجاً من نظام حكم الحزب الواحد، الذي اهتدى إلى صيغة من العمل المشترك، مع أحزاب أخرى تشاركه في الأهداف العامة على الصعيد الوطني، والاقتصادي، والاجتماعي، وكان شرطه غير المعلن أن تدور الأحزاب في فلكه، وتمتثل لإرادته، وتخدم الأهداف التي يحددها لتأمين استقرار السلطة، والحفاظ عليها دون منازع. وقد برهنت التجربة الواقعية أن نظام الحزب الواحد الذي يرتدي ثوب التعددية، لا يسمح للأحزاب الأخرى بأي شكل من أشكال المعارضة في الجانب السياسي، ويجسد الشمّولية ويقوم بدور الحزب المهيمن على مؤسسات الدولة، وعلى المنظمات العمالية والفلاحية، والمهنية والشبابية، والنسائية، بحيث يؤدي ذلك إلى تضييق المساحة المتاحة لنشاط الأحزاب المتحالفة، وإلى فقدانها التدريجي لنفوذها، وتهميش دورها، وانحسار قواعدها الجماهيرية.

لقد عبر حزبنا منذ بداية الأزمة في البلاد، أن الحل لا بد أن يكون سياسياً، لحماية المواطنين من الموت، وأن الصيغة السياسية القائمة لم تعد صالحة، وقد تجاوزها الزمن، وتمثل الجبهة الوطنية التقدمية بشكل ما هذه الصيغة. وجاء الدستور الجديد (2012) لينزع عن هذه الجبهة الصفة الدستورية، ولا شك أن كل ذلك لا بد من أخذه في الحسبان عند صياغة أي تحالف بين الأحزاب السورية والقوى الحية والوطنية، بحيث يتيح لها أن تنشط بحرّيّة كاملة، لتقوم بدورها وتمارس مسؤوليتها الوطنية في مواجهة الإمبريالية في عصر العولمة، ومحاربة الإرهاب والقوى الظلامية، واقتلاع شأفة الفساد، والاستبداد، والإسهام الفعلي في إنقاذ البلاد، وتحقيق السلام في ربوعها، وبناء سورية الجديدة دولةً تعددية، ديمقراطية علمانية، يسودها مبدأ المواطنة، وينعم أبناؤها كافّة بحقوقهم الكاملة في التعبير وإبداء الرأي، والمشاركة في النشاط السياسي الوطني دون قيود.

 كان ماركس وإنجلز ولينين يؤكدون أنه لا بد من التفريق بين التحليل لما هو موجود تاريخياً، والرؤية القيمية لما ينبغي أن يكون عليه الحزب، ولعلنا في ضوء هذا المنهج نصطدم بحقيقة الإشكالية التي عانينا منها في الدلالة الماركسية للحزب في عصرنا الحاضر، وفي ضوء المهام التي خلقها التطور العاصف في الألفية الثالثة، إذ لا بد أن يكون الحزب في النهاية أداة للتنمية السياسية، والتحديث، والتقدم، والديمقراطية، والمشاركة السياسية في غمرة نضاله دفاعاً عن مصالح الطبقات والفئات والقوى التي يتصدى للدفاع عنها. وعليه أن يذود عن وجوده المستقل، وعن جوهره الاجتماعي، وهويته الطبقية في كل تحالف، وبذلك يقدم خير خدمة لنفسه، ولمن يتحالف معه، وفيما عدا ذلك، فربما تذهب نشاطاته سدى، ولا يجني من كل جهوده سوى حصاد الهشيم وقبض الريح..

تمت قراءته 624 مرات