العدد:753
تاريخ 18/ كانون الثاني/ 2016
 

حياة خصبة وقاسية

قييم هذا الموضوع
(4 أصوات)

 لقائي المباشر الأول مع الرفيق يوسف الفيصل كان عام ،1954 عندما توجّهت إلى مقهى في جورة الشياح، كان يشترك فيه، مع رفاق آخرين، في تنظيم إحدى فعاليات الحزب، عشية الانتخابات الأهم في تاريخ سورية، ولعلها الوحيدة.

طلبت منه أن يتيح لي المساهمة في النشاطات التي كان ينظّمها الحزب. ابتسم أبو خلدون وقال: (لنشوف). كنت في الثانية عشرة من عمري.

بعد أيام اتصل الرفيق فرحان الحجّة بي، في ثانوية خالد بن الوليد، ودعاني لحضور الاجتماع الحزبي الأول في حياتي وقاده الرفيق بشّار الموصلي.

اللقاء الأخير مع أبي خلدون حدث بعد 57 عاماً في داره بحيّ ركن الدين، عندما زرته مع الرفيقين: يونس ديب وفاروق دريعي، يوم 9 نيسان 2011. كنا حريصين على معرفة رأيه في الأحداث الجارية في سورية. أنصت إلينا، قدر ما أتاح له سمعه المتراجع بحدّة. لم يلخّص بطريقته البارعة، كما اعتاد لسنواتٍ طويلة، الأفكار السياسية الجوهرية المتعلقة بالمرحلة القلقة التي دخلتها سورية، ولكنه كان مقتنعاً، معنا، بإمكانية وضرورة تحقيق تحولاتٍ ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ وعميقة في سورية، مع المحافظة على الدولة.

بين هذين اللقاءين أتذكر،خصوصاً، مرحلتين شديدتَيْ الأهمية في تاريخ سورية والحزب، كنت فيهما على علاقة وثيقة بأبي خلدون:

 الأولى: هي فترة بناء سد الفرات مابين عامي 1966 و1976. كان هو والرفيق خالد بكداش شديدَيْ الاهتمام بالمشروع وبمنظمتنا الوليدة في (الطبقة). كان المشروع والمنظمة، كلاهما، تجسيداً لسورية الوجه الآخر: نامية، مشرقة، وربما: اشتراكية.

كانا يلتقيان بأعضاء اللجنة المنطقية ورفاق آخرين، في كلّ مناسبة متاحة، ويتعرفان مناّ على تفاصيل المشروع، حتى الهندسية منها، ويطربان عندما نروي لهما كيف تنمو المنظمة بين عمال السد القادمين من جميع القرى والبلدات السورية، ومن جميع تكويناتها الاجتماعية والقومية والدينية والسياسية، وكيف استطاع هذا المجتمع الشاب الناشئ المتعدد أن ينصهر في بوتقة لها لون سوري واحد.

بيد أن الرفيق الذي قاد فترة تأسيس المنظمة، مباشرةً، هو: عمر قشاش. وأشهد أنني، قليلاً، ما تعرّفت على إنسانٍ آخر بمثّل دأبه وصبره وتواضعه.

الثانية: هي الفترة ما بين عامي 1980 ومطلع عام ،1987 وكنت قد أصبحت عضواً في اللجنة المركزية، بترشيحٍ مفاجئ من أبي خلدون، في نهاية أعمال المؤتمر الرابع، كجزءٍ من تسوية أجّلت أحد انقساماته المتتالية.

اشتركت مع الرفاق إبراهيم بكري ونبيه رشيدات ورمّو شيخو وعبد الوهاب رشواني في عضوية المكتب التنظيمي الذي قاده الرفيق أبو خلدون. حضرنا عشرات الاجتماعات في العديد من منظمات الحزب، من القنيطرة إلى الجزيرة، وكنت أندهش للأسلوب الدقيق الذي يجمع فيه أبو خلدون كل الأفكار الناضجة التي طرحها الرفاق في الاجتماع الممتد طويلاً، ويعيد صياغتها بشكلٍ متماسك. وكنت ألحظ كيف (يستيقظ) بعض الرفاق المتعَبين من ساعات الاجتماع المديدة وماسبقها خلال أيام الأسبوع، ليستمعوا إليه وهو يلخّص سياسة الحزب وتوجهاته التنظيمية، فتعود للاجتماع الحيوية التي ابتدأ بها.

في مشوارنا الأول معه، وأذكر أنه كان لمنظمة طرطوس، جلب معه رزمةً كبيرة من الصحف العربية، ووضعها بيني وبينه، في المقعد الأمامي، وكنت أقود السيارة. ابتدأ بقراءة مافاته من مقالات. لم يعجبني الأمر، وابتدأت أطرح عليه سيلاً من الأسئلة في السياسة، وخصوصاً عن حياته الشخصية وعلاقاته بالرفاق وبأفراد أسرته. استجاب أبو خلدون وراح يتكلم باختصار وأنا أحضّه على المزيد. عندما أشرفنا على الوصول، تفقّد الصحف ووجد أنها مازالت كومةً كبيرةً. قال لي: لقد حرمتني من قراءة الصحف وجعلتني أتحدث طوال الطريق وأنت تستمع فقط. قلت له: هذا ما سأكرره، كلّ مرّة.

كانت المرحلة مابين المؤتمرين الخامس والسادس مليئةً بالحيوية السياسية والتنظيمية، وقد تعرفت على الكثير من خصال الرفيق أبي خلدون الذي كان، كما أقدّر، في قمة نضوجه كقائدٍ شيوعي، صاحب مشروع تطويري للحزب، في جميع مناحي عمله السياسي والتنظيمي. وقد اشتركنا معه في ذلك المشروع، الذي سرعان ما التهمه انقسام الحزب في نهاية عام ،1986 ولم يكن له أسباب جدّية موضوعية تبرر حدوثه، كما رأيناها تلك الأيام.

لم نستوعب، حينذاك، أن ماحصل، عندنا، هو جزء من مصير حركة تترهل وتعجز عن استرداد قواها.

حول أسباب هذا الترهل وسبل تخطيه اختلفنا، فيما بعد، مع أبي خلدون، عشية المؤتمر السادس وبعده. كنت قد بدأت، مع آخرين، البحثَ عن محتوى مغاير للحياة السياسية في بلدنا، ليس حتمياً أن تكون المشاركة فيها محصورةً بالنضال تحت لواء حزبٍ محدد.

لقد اتجهت أجيالنا،عشية الاستقلال وبعده، نحو أحزابٍ عقائدية متعددة، في مشاريعها القومية والإسلامية والشيوعية، ولكنها مجتمعةٌ في جذرها الشمولي الإقصائي. فنجاح المشروع الخاص بكلٍّ منها كامنٌ في قدرته على تصفية أعداء (القومية) أو(الإسلام) أو(الطبقة العاملة).

لقد التفتنا، متأخرين جداً، إلى أن المشروع الوطني الحقيقي، في سورية المستقلة، حديثاً، هو بناء الدولة الديمقراطية، دولة جميع المواطنين.

وفي تأخر هذا الإدراك، نتحمل قسطنا، غير الصغير، من المسؤولية، عن التطور الدامي الذي يعيشه بلدنا.   قبل أيام، سألت خلدون الفيصل: هل كان الوالد صديقاً لكم؟ أجابني: (ابتدأ في صداقته لنا، بعد رحيل سوسن ، ثمّ مها، بعد أم خلدون. حتى إنه، في يومٍ ليس بعيداً، وضع يده فوق شعري من الخلف، في حركة لم أعهدها في حياتي. كنت قد أصبحت جدّاً)!

هذا ما حصل للكثيرين منّا، وهم (يناضلون) من أجل المستقبل الوضّاء. نسينا أن جزءاً من سعادةٍ لا يُعوّض، هو رؤية أطفالنا وهم يتعثرون بأولى خطواتهم ويركّبون أنصاف كلماتهم، ولكنهم يفشلون في لفت انتباهنا إلى وجودهم ووجود أمهاتهم. كان النموذج (الثوري) بالمقياس الستاليني يستوجب أن ينسى المناضل ذاته وأسرته ويذوب في مشروع سعادة البشرية القادم، لا محالة!

كانت السنوات الأخيرة من الحياة الأسرية لأبي خلدون تراجيديةً، أكثر بكثير مما يطيق أي إنسان تحمّله، ولكنها تشاركت، في نهاياتها، بأخرى أشد هولاً، عليه وعلينا جميعاً: تراجيديا وطن بأكمله. نعرف كم هو قاسٍ المشهد الأخير، قبل الرحيل، في زمن الانهيارات المتتالية، بالنسبة لمن اندمج في الحياة السياسية السورية والعربية والعالمية، لأكثر من سبعين عاماً، بعد أن عمل، صادقاً، من أجل مصيرٍ آخرَ معاكسٍ، تماماً، لما عاشه في لحظاته الأخيرة.

في هذا المشهد الأخير نشترك مع يوسف الفيصل، وربما في أجزاءٍ أخرى، أقل بؤساً، في حياته الخصبة.

تمت قراءته 64918 مرات