العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

تنقية الأجواء بين المثقفين واجب وطني

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

ينحدر المثقفون من فئات اجتماعية مختلفة، فمن الصعوبة بمكان تصنيفهم حسب منبتهم الاجتماعي، لكنهم وبحكم ثقافتهم التي تخولهم، بل تفرض عليهم، المشاركة الفاعلة في شؤون بلادهم، لابد لهم من موقف مشترك متكامل، بغض النظر عن أمزجتهم الشخصية وتباين مرجعياتهم الاجتماعية، واختلاف منسوب الشجاعة لديهم. يتعاظم دور المثقفين في الأزمات والمنعطفات الكبرى التي تتعرض لها بلدانهم، فالناس ينظرون إليهم بوصفهم طليعة ثقافة، وعلى مواقفهم وآرائهم يعولون ويسترشدون بهم وبآرائهم في تحديد مواقفهم، فإذا لم يكن المثقف قدوة في القول والفعل، فقدَ ثقة الناس به، وبذلك يخسر دوره بوصفه رائداً، (فهذا كلأ الأرض، وذلك مجرى الماء).

من المعروف في كل أنحاء العالم وبين كل مثقفيه، ثمة ما يجمع، فالمثقف يتصف بفرط الحساسية ورهافة الشعور، والإحساس بالتميز وهذا حقه، أما أن يصبح الإحساس بالتميز استعلاءً على الناس، ومدعاة للتفاخر والمباهاة والاستعراض، فذلك مقتل للمثقفين ومدعاة للتشكيك بثقافتهم، فهم، قبل أن يكونوا مثقفين، بشر، ومواطنون.

من حق المثقف أن يتفاخر بثقافته، لكن ليس من حقه الاستعلاء على الآخرين والاستهانة بمعارفهم وبدورهم في الحياة الاجتماعية العامة أياً كانت مواقفهم من عملية الإنتاج الاجتماعية.

 النرجسية، وتضخم الذات، من أخطر الأمراض التي تصيب المثقفين، وهي حالة عامة قلّما ينجو منها مثقف، لكن، بحكم الوعي والثقافة، على المثقف أن يحارب هذا الداء البغيض، وأن يمارس رياضة التواضع، فليس هناك حامل ثقافة إلا وتجد من هو أعلى وأعمق ثقافة منه، وهكذا دواليك.

من المعروف أيضاً أن النميمة من الأمراض الاجتماعية المتفشية بين المثقفين، بحكم موقعهم وحاجة المؤسسات الرسمية إلى كفاءتهم، لكن هذا الداء يصبح قاتلاً عندما يتحول المثقف إلى مصدر لاستعداء الآخرين، وتشويه سمعة زملائه، لمجرد أنهم يختلفون معه في الرأي أو لا ينضوون تحت لوائه، لاسيما إذا كان يشغل أحد المراكز القيادية في الدولة، أو في إحدى مؤسساتها العامة، ولن نتحدث عن انتهازية المثقف وخطورة دوره، بما يملك من قدرة على التبرير، فهدفنا ما يجمع وليس ما يفرق.

المثقف (القدوة) هو من يترفع عن الصغائر ويحاول أن ينظر إلى الآخرين من موقع مساهمتهم في الأنشطة الاجتماعية، وهو من يحدد موقفه منهم، من خلال مواقفهم من القضية الوطنية العامة.

وهنا قد يتبادر سؤال مشروع: ألا يوجد اختلاف وخلاف وتمايز في المواقف العامة والخاصة من القضية الوطنية، وذلك باختلاف مرجعيات المثقفين وتباين مصالحهم وتنوع أمزجتهم؟

مما لا شك فيه أن هناك تمايزات ولونيات في المواقف، لكن هناك أيضاً محددات عامة لا يمكن تجاوزها ولا التغاضي عنها.

الوطنية مفهوم لا يقوم في فراغ، إنه مشروط تاريخياً وله تجلياته المحددة، ففي وضعنا الحالي مقياس الوطنية المحدد والمميز هو الموقف من وحدة الوطن، والمحافظة على النسيج الاجتماعي فيه مع صيانة المؤسسات العامة، بمعنى أكثر تحديداً ودلالة، هو الموقف من الدولة وما تشكله من ضامن للأمن والاستقرار وسيادة القانون وتأمين حقوق المواطنين، إذ لا يمكن الحديث لا عن استقرار ولا عن تنمية إلا بدولة قوية تتمتع بالسيادة.

توزيع شهادات الوطنية وخلخلة صفوف المثقفين بإطلاق التهم جزافاً، لا يخدم الثقافة ولا القضية الوطنية التي على المثقف أن يكون حارسها المؤتمن والأمين عليها. لذلك، ومن باب الوفاء للوطن وللثقافة الوطنية، فإن على المثقفين جميعاً، ومن خلال المؤسسات الثقافية، أن يمارسوا دوراً بنّاء في تنقية الأجواء الثقافية والترفع عمّا يمكن أن يلحق الضرر بهم، لا كأشخاص فقط، وإنما وبوصفهم حوامل معرفة وثقافة وطليعة اجتماعية تحرص على الوحدة الوطنية التي تعتبر الثقافة من أهم مرتكزاتها.

الحدة في المواقف والانفعالية وتضخم الذات، لا يمكن أن تخدم الثقافة، في وقتٍ الثقافةُ فيه بأمسّ الحاجة إلى التعقل والروية والحكمة والبعد عن الذاتية والشخصنة في اتخاذ المواقف وتحديد العلاقات البينية بين المثقفين أنفسهم، وبينهم وبين المؤسسات التي ينتمون إليها، فتدوير الزوايا، وابتكار الحلول، والتوافق على قواسم مشتركة هي من أهم واجبات المثقفين.

المصلحة الوطنية العليا تقتضي مزيداً من نكران الذات، وتقبّل الاختلاف، والإيمان بالتعددية عملياً ونظرياً، وسيادة الحوار، والابتعاد عن العصبية والتعصب أياً كان مظهره، ومهما كانت الثياب التي يرتديها. أفليس التسامح والسماحة والانفتاح من أهم صفات المثقفين وخصائصهم؟! ألا يحتاج بناء الأوطان وصناعة الثقافة إلى عقول باردة وقلوب أقل انفعالاً؟

 

تمت قراءته 462 مرات