العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

دمتٍ بهية متجددة أيتها الأم الرؤوم

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

لقد أصاب كبد الحقيقة من أطلق مصطلح اللغة الأم.. إذ يمكن للإنسان أن يتقن أكثر من لغة، لكنه لا يمكن أن يتوصل إلى مرحلة الإحساس والتعبير عن أفكاره كما يستطيع ذلك عندما يفكر أو يكتب بلغته الأم.

اللغة الأم هي المنظومة الإشارية الصوتية الدلالية التواضعية التي يتلقاها الإنسان منذ طفولته المبكرة، ويمكن أن نقول تنقلها إليه أمه مع حليبها وأغانيها وهدهداتها له، ومع فيض حنانها، بل ومع وجيف قلبها.

من يتابع مراحل تعلم الطفل اللغة يلاحظ كيف يبدأ أولاً بإطلاق أصوات مفردة، ثم كلمات، وبعدها جمل مؤلفة من كلمتين، ومع تقدمه في العمر يمكن له أن يكوّن جملة مؤلفة من ثلاث مفردات فأكثر.

اللغة الأم هي صلة الرحم وحبل السرة الواصل بين أفراد المجتمع، وهي وسيلة التواصل والتخاطب، وهي من أبسط وظائف اللغة، وهي أداة التفكير، فمن دون اللغة يستحيل على الإنسان أن يفكر ويطور معارفه، والعلاقة بين اللغة والفكر علاقة عضوية، فهي تساهم في إثرائه، وهو يقوم بإغنائها، فمع تقدم الفكر تتزايد أهمية اللغة ومكانتها في حياة الأفراد والمجتمعات.

اللغة هي مادة أحلامنا، وهي التي نسترجع عبرها ماضينا بكل ما يحمله من ذكريات مفرحة ومؤلمة، هي التي تصوغ وجداننا، وتنمي عواطفنا وتصقل أحاسيسنا وتظهرها إلى الوجود.

اللغة وجود وكينونة من خلالها ندرك العالم المحيط بنا، وهي قيد التشكل الدائم، وتخضع لقانون التطور والارتقاء، فمن السذاجة بمكان تصور اللغة منجزاً مغلقاً منتهياً يتوارثه الأبناء عن الأجداد، ويقومون بنقله إلى الأحفاد، كما ورثوه، مثل هذه اللغة إن وجدت محكوم عليها بالموت، فالكائنات الحية واللغة مجازياً كذلك، إذا لم تتطور وتواكب التقدم العلمي وتستجيب لمتطلبات العصر وضرورات الحياة بوصفها ظاهرة تاريخية اجتماعية تحكم على نفسها بالموت،.

لغتنا الأم (العربية) واجهت تحديات جساماً عبر تاريخها المديد، فهي من أعرق لغات العالم، وأكثرها قدرة على التوليد من خلال أنواع الاشتقاقات فيها، ولعل لفظة الأم تصح على المشتقات المعروفة، فهناك المصدر وهو  الأم وعنه تصدر المشتقات التي تحافظ على دلالة واضحة وعلاقة بينه وبين مصدرها (أمها). كما أن لغتنا تعتبر من أغنى لغات العالم من حيث عدد مفرداتها، وثمة إمكانات مفتوحة للاستزادة في عدد المفردات من خلال الاشتقاق الكبير وهو تقاليب الكلمة الواحدة.

كما تقاس أهمية أية لغة بقدرتها على أداء وظائفها، فاللغة العربية من حيث بنيتها الدلالية والصوتية والنحوية قادرة على تلبية جميع احتياجات الناطقين بها.. هذه المؤهلات واللياقة والمرونة، تبقى محفوفة بالمخاطر إذا لم ينتبه الناطقون بها إلى التحديات الجدية التي يمكن أن تواجهها اللغة العربية لتحدي التلهيج وعدم مواكبة الإنجازات العلمية وإيجاد الدوال المعبرة  عنها.

حيوية لغة ما تقاس أيضاً بقدرتها على الأخذ والعطاء، ليس للناطقين بها وحدهم وإنما في علاقاتها التبادلية مع اللغات العالمية الأخرى، عبر الترجمة وتبادل الدوال، دون أن يخل ذلك بالنظام البنيوي النحوي والصوتي والدلالي للغة.

اللغة العربية تزداد قوة ومناعة بقوة الناطقين بها ودورهم وتأثيرهم على الساحة العالمية ثقافياً وسياسياً، فبمقدار ما نساهم نحن الناطقين بها في عملية إنتاج الفكر والمعرفة في العالم، تقوى لغتنا وتنمو وتتطور.

تجربة اللغة العربية التاريخية تقول بأنها مؤهلة لمواجهة الصعاب وتحدي المخاطر، فقد استطاعت في القرون الوسطى أن تكون لغة العلم والأدب والفنون والفلسفة، فنقلت عن اليونانية فلسفتها ومن الهندية ما حملته من حكمة، وعن الفارسية ما احتوته من نظم سياسية وإدارية، فكانت بغداد والاسكندرية والأندلس موئلاً للعلم يرتادها طالبوه من كل أصقاع الأرض. وقد كتب بها الفارابي والكندي وابن النفس وابن سينا وابن رشد.

سيادة اللغة وتفوقها من قوة الناطقين بها، فسيادة اللغة الإنكليزية ليس من قدراتها الذاتية، وإنما أيضاً من قوة الدول الناطقة بها، فهل تستطيع هذه اللغة المحافظة على التسيد لمدة ثمانية قرون، وهي فترة سيادة اللغة العربية؟

تمكين اللغة العربية والارتقاء بها يتحقق برفع المنسوب الثقافي والمعرفي للناطقين بها ومواجهة خطر انتشار اللهجات المحلية، يكون بمحاربة الأمية بشكلها الأبجدي والثقافي المعرفي، فإذا كانت لدينا لغة جاهزة ناضجة تستطيع أن تستجيب لكل متطلباتنا الفكرية والعلمية والتواصلية، فلماذا نلجأ إلى اللهجات المحلية التي لا يستخدمها إلا من تدنى لديه المنسوب المعرفي؟

في عيدك أيتها الأم الحنون..

لك كل الشكر والاعتراف بالفضل، فلولاك لأظلم العالم بوجهنا، وتفككت أواصر التواصل بين الأشقاء والإخوة، وانعدمت لدينا إمكانية التفكير، وخسرنا إمكانية الحلم، وانقطعت صلتنا بماضينا..

لك التحية في عيدك، دمت محافظة على بهائك، ونعاهدك على مواصلة الطريق لتبقى (أمنا) في مقتبل العمر، شابة، نتبادل معها العطاء.. دمت لنا بحراً من المفردات، وكينونة نعيد تشكيلها في الوقت الذي نتشكل بها.

 

تمت قراءته 132 مرات