العدد:756
تاريخ 18/ نيسان/ 2017
 

أيها الأصدقاء الراحلون..عزاؤنا في مآثركم..

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 (يا أبتي جنّبني مرارة هذا الكأس)!

لماذا عليّ أن أكتب رثاء كلما رحل عنا صديق أو رفيق؟ هل لأن ذلك الفقد دلالة وتنبيه إلى أن الطريق قصيرة وأننا سنلحق بأصدقائنا، لذلك نكتب عنهم، وكأننا نستبق الوقائع تمهيداً لما سنؤول إليه بعد حين، أو هو وفاء لصداقة وعرفان بحقٍّ علينا تجاه أصدقائنا أحياء وأمواتاً؟

أبو عبدو.. لم يجفّ بعد حبر قلمي، عندما كتبت قبل أسابيع عن صديقنا المشترك باسم عبدو بمناسبة مرور عام على رحيله.. باسم الذي زارك في مشفى المجتهد، وفي صباح اليوم التالي، الأحد، وضع رأسه على وسادته ونام.. واليوم تغادرنا بعد أن عبثت يد الظلام بمنزلك وبكتبك في كل من الزبداني وعدرا العمالية.. وبعد أن غادر صهرك (الشاب المجدّ الدؤوب الموهوب أحمد عليوي)، ومازالت ابنته تنتظر، فقد اتصلت به مساء الاثنين طالبة منه أن يحمل لها معه صبيحة الثلاثاء (شغلة حلوة).. وقد لبى طلبها ذاهباً إلى السوق، لكن قبل أن يشتري الهدية أصابته قذيفة الغدر، فأودت بحياته.. وفي صبيحة اليوم التالي الثلاثاء دخلت مجموعات القتلة مدينة عدرا العمالية.

أبو عبدو.. حفيدك يعقوب يسأل: يا جدي لم أعد قادراً على حمل حقيبتي التي جمعت فيها بعضاً من الأسطوانات الموسيقية، وأشياء أخرى لا يمكنني الاستغناء عنها، فتقول له: ارم ما لا حاجة لك به، فأنا يا جدي لا أستطيع مساعدتك.. وتتابعان سيركما في ذاك الخروج المريع من عدرا العمالية لتكملا رحلة عناء مريرة في يوم قارص.

وحفيدتك الأولى تغني في يوم أربعينك أغنيتك المفضلة (مولية)، التي غنيتها لنا في ملتقى جرمانا الثقافي قبل عامين..

وابنتك الصغيرة تحيب سائليها: ماذا يعمل والدك، فهو في حركة دائمة ولديه عدد كبير من الزوار ومنزلكم عامر بالناس: أبي يعمل شيوعي!

ها قد رحلت أيها الشيوعي المخلص النشيط الذي وعد فأوفى، فعاهد فأنجز..

قلما رأينا محمد خالد رمضان إلا متأبطاً رزمة من الكتب، وأعداداً من جريدة (النور) يوزعها على الناس، جالساً في مقهى الروضة ينتظر قدوم الأصدقاء الذين شحّ الزمان بهم، أو سائراً متفقداً أحياء دمشق القديمة.

كان يأتينا إلى جريدة (النور) بشيبته الوقورة تسبق خطاه ابتسامة متفائلة، يهدي لنا بعض إصداراته المتنوعة من الشعر والقصة والرواية والتراث الشعبي والأغنية الشعبية، يقدمها بمحبة مشفوعة بخجل الأطفال وتواضع الكبار.

لقد رحل أبو عبدو وهو يسأل صهره يوسف الجادر عندما يزور جرمانا التي أقام فيها عامين بعد نزوحه الثاني: من رأيت يا يوسف من الأصدقاء؟

كثر هم أصدقاؤك يا أبا عبدو في زمن تناقص فيه عدد الأصدقاء، وأكثر هم معارفك ومحبوك، فارحل قرير العين بعد أكثر من مئات الأصدقاء وآلاف المعارف وما ينوف على خمسة وعشرين مؤلفاً.

ما جدوى الكلمات وقصائد الرثاء، أما آن لنا أن نتعلم الدرس فنقول كلمات الحب والوفاء والعرفان لأصدقائنا وهم على قيد الحياة.. ربما يكون رحيل أبي عبدو الدرس الأخير، فلنقلها لمن نحب قبل أن نرحل أو يرحلون.

تمت قراءته 375 مرات