العدد:753
تاريخ 18/ كانون الثاني/ 2016
 

حكم القيمة بين مزاجية الناقد وعلمية النقد

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 في أكثر من مناسبة أدبية صدرت أحكام نقدية على شخصيات معروفة ولها باع طويل في النقد وفي الإبداع، تنمّ عن خبرة وثقافة وتجربة أدبية عميقة. كانت تلك الأحكام تتراوح بين الإطراء المبالغ فيه، والهجاء إلى حدّ تسفيه منجز الآخرين وإلغاء أسمائهم من مدونة الإبداع. بعضهم ينسى أو يتناسى أحكاماً سابقة كانت ذائقته قد أصدرتها على الكاتب نفسه.

مفهوم أن تكون الأحكام النقدية عرضة للتبدل والتغير، ويلعب فيها المزاج الشخصي للناقد دوراً بارزاً، لكن أن يكون المزاج هو العامل الحاسم والمرجع الوحيد في إصدار الأحكام، فهذا ما يخرج الحكم النقدي عن الموضوعية ويدعو إلى التساؤل حول حيادية الناقد النسبية في تعامله من النصوص الأدبية التي تتطلب فصلاً نظرياً بين النص ومبدعه، يتيح فسحة للتأمل والتفكيك والتركيب، العملية التي تستدعيها كل ممارسة نقدية.

الذات الكاتبة هي مصدر النص، بكل مكوناتها التاريخية والمعرفية، والنص المكتوب لا يمكن أن تنقطع صلته بمبدعه، لأنه في المحصلة النهائية تجسيد لبعض هذه الذات أو لكلّيتها، والعلاقة ثلاثية المكونات: المؤلف - النص- الناقد، ولكلٍّ دوره في كشف دلالة النص وفهمه. من المعروف أن نصوص المبدعين تختلف من حيث المنسوب الفني والقيمة الجمالية، لكن المبدع المتمرس في كتابة جنس أدبي ما، يتمتع إنتاجه بخاصية المفاضلة، فقد يوفق في إنتاج نص على درجة عالية من الجودة، فيما ينخفض منسوب نص آخر لديه، وفق حالته النفسية، وتوفر محفزات الإبداع لديه.

الناقد الحصيف لا يطلق أحكاماً نقدية عامة وشاملة، بل يراعي حالة التفاوت بين النصوص دون أن يغفل المستوى العام لمجمل إنتاج المبدع، وملابسات عملية  الإبداع. من الصعب جداً، بل من المستحيل أن يتعامل مع نص بعيداً عن شخص مبدعه وعن تجربته وعن انتشار إنتاجه، مع أننا نعترف بأن الانتشار ليس مقياساً فنياً صافياً، لكن عندما نقرأ اسم الكاتب، تستعدّ مجسّات التلقي لدينا لتقبّل النص تحت وهج الإشعاعات والتداعيات التي يمليها علينا اسم صاحب النص ومكانته.. وبما تراكم لدينا من معارف عنه تؤثر إلى حد كبير على ما سيصدر عنا من أحكام على نصه، وبالتالي تصبح أحكامنا النقدية واقعة تحت وطأة تحيز لا واعٍ يسبق صدور الحكم على النص.

تغير أحكام القراء والنقاد مفهوم، وكذلك تبدل آرائهم حول النصوص المقروءة، لأن كل قراءة هي إعادة قراءة، تسهم في إنتاج جديد لنصٍّ بشكل قيمة مضافة إليه، أو اكتشاف نقص فيه أو خلل في بنيته.

إصدار أحكام القيمة على النصوص، لا يتعلق بها كوجود موضوعي مستقل عن موقفنا منها ومن الأدوات والمناهج المستخدمة في التعامل معها، وإنما أيضاً بحالتنا النفسية وما تراكم لدينا من خبرات ومعارف تضطرنا إلى اتخاذ موقف قد يختلف أو يتباين عن موقف سابق لنا من النص نفسه.

الطامة الكبرى التي تضع الناقد موضع المساءلة عندما يصدر حكماً يمجد نصاً اليوم، ليعود غداً إلى اعتباره دون السوية المطلوبة لتسميته أدباً. الحكم النقدي، موضوعي بمقدار ما هو ذاتي، ومن الصعب، بل من المستحيل، وضع حدود قاطعة مانعة بين الذاتي والموضوعي في الممارسة النقدية، والخطر كل الخطر، أن يتحول النقد إلى انطباعات ذاتية تحكمها علاقات خارج النص المفقود.

كان دأب النقاد أن يجعلوا النقد علماً له قوانينه الموضوعية، وذلك لإبعاد العملية النقدية عن الإغراق في الذاتية المفرطة، وقد قطعوا طريقاً في استخلاص القوانين الناظمة للأجناس الأدبية، وحددوا مكونات النصوص الأدبية مع تحذيرهم بأن الحدود بين الأجناس قابلة للتجاوز، والبنية النية تحمل إمكانيات مفتوحة للتشكل تحت تأثير العملية الإبداعية. لكن الذاتية لا يمكن إلغاؤها، فكما أن الذات المبدعة للكاتب تتأثر بتكوينه المعرفي وذائقته، وتتلوّن بمزاجه، كذلك الذات الناقدة عرضة لمثل هذه المؤثرات والتأثيرات. على الناقد أن يكون حذراً من طغيان الذاتية عند إصدار أحكامه النقدية، فهو يتعامل مع النصوص، ولا مع كتّابها، بغض النظر عن موقفه من كاتب النص وعلاقاته معه.

الحكم النهائي يكون على النصوص، ولا على مبدعيها، حتى ولو وجدنا تعارضاً بين السلوك اليومي للكاتب والقيم والمفاهيم التي يقدمها نصه الإبداعي، لأن حالة التطابق مطلب محق، لكنه لا يتوفر دائماً.. والمفارقة قائمة، فقد عرف تاريخ الأدب كتّاباً عظاماً لا يتطابق سلوكهم اليومي مع إبداعهم، إلا أن ذلك لم يقلل من مكانتهم الإبداعية.

تمت قراءته 1707 مرات