العدد:753
تاريخ 18/ كانون الثاني/ 2016
 

من الهوية المركبة إلى الهوية التفاعلية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 يدور الحديث في الأوساط الثقافية والسياسية حول الهوية الثقافية المستقبلية لبلادنا سورية، ويرى بعضهم أن الحديث عن هذا الموضوع سابق لأوانه في ظروف الحرب الطاحنة التي تدور على أراضي وطننا الحبيب من أجل قطع سلسلة التطور فيه وتهديم ما أحرزه على طريق بناء الدولة الوطنية.

بينما يرى آخرون أن النظر إلى المستقبل يتجاوز الراهن، ومن حق المثقفين والمفكرين والسياسيين أن يتطلعوا إلى تصور صورة مستقبل بلادهم متجاوزين معوقات الحاضر وآثار الماضي، الذي مازال يحكم ويسيطر على ذهنيات الكثيرين وأفكارهم. حالمو اليوم هم واقعيو المستقبل، ترى كيف يمكن أن يكون عليه مستقبل سورية؟ وما هي محددات هوياتهم؟

ثمة آراء حول موضوعة الهوية، ففريق يرى الهوية في الماضي المجيد، متناسين أن إعادة الماضي بأمجاده على ما حولها من جدل وخلاف مستحيلة، فالزمن لا يرجع إلى الوراء، واستلهام روح الماضي لم تعد تتناسب مع متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

لكن، من أين يبدأ الماضي؟ وأين ينتهي؟ وتاريخ سورية ضارب في القدم يتجاوز 7 آلاف عام.. وقد عرفت أرضها حضارات متعددة ومرت عليها شعوب كثيرة، منها من استوطن ومنها من رحل، منها من جاء غازياً مدمراً، ومنها من ترك بصمات لا تمحى في صفحات تاريخها.

أيّ ماض نستعيد؟ ولماذا لا نتجاوز الماضي دون أن نقطع معه وننظر إلى المستقبل بكل آفاقه الممكنة؟

بعضهم يتحدث عن الثقافة السورية (السريانية- الآرامية)، الفينيقية - الكنعانية، وبعضهم يتحدث عن الثقافة اليونانية الرومانية، وآخرون يتحدثون عن الثقافة العربية الإسلامية.. هناك من يتحدث عن الثقافات الغربية.. ولكن في تفاعل الثقافات وتلاقحها، هل يمكن الفصل بين الثقافات وتقسيمها بحسب تسلسلها الزمني، ألا يمكن أن تتجاوز ثقافة ما حدود زمانها، كما حصل للثقافة اليونانية التي ماتزال آثارها متجلية في كل ثقافات العالم، لأنها تعبر عن لحظة طفولة إنسانية صادقة؟

إذاً، الفصل بين الثقافات، وتجديد الهوية الثقافية لا يقتصر على واحدة منها، مخالف لطبيعة الثقافة وقدراتها على التأثر والتأثير، وهنا يصبح لزاماً علينا أن نتحدث عن هوية ثقافية مركبة، تقوم على أساس التفاعل الخلاق بين مجمل الثقافات التي عرفتها المنطقة. أما اقتطاع مرحلة تاريخية من سياقها، وتعميمها على سائر المراحل، فهو خطأ منهجي مزدوج، مرة في الاقتطاع والثانية في التعميم.

الهوية الثقافية لسورية، كما نريدها أن تكون، هوية وطنية، إنسانية، تقوم على التعدد والتنوع، لا تلغي ولا تقصي، تحافظ على الخصوصيات وتطلق لها حرية التشكل في إطار الوحدة الشاملة لكل أبناء المنطقة وشعوبها، دون إغفال أو تجاوز أي مرحلة تاريخية، فالمراحل التاريخية لحظات في سيرورة الزمن التي ترسم إرادةُ الشعوب ووعيها، صورةَ صيرورتها وتشكُّلها.

فلا هوية نقية، ولا ثقافة صافية، وإنما هناك تفاعل خلاق تكوّن عبر مسيرة التاريخ وتعايش الشعوب على اختلاف انتماءاتها الاثنية والدينية التي تحدد رؤيتها وتصورها للعالم.

فلنساهم جميعاً، كل من موقعه وحسب إمكاناته، في تشريع صيرورة وولادة هوية جامعة كلية تمثل جميع أبناء المنطقة وتعكس ثقافاتهم وتوحد مصيرهم في مواجهة تحديات الحاضر ورسم آفاق المستقبل الرحبة.

تمت قراءته 2015 مرات