العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

«يا شمس لا تغيبي» يوم الجلاء

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

هذا التراب دم بالدمع ممتزج

                                       تهب منه على الأجيال أنسام

يوم الجلاء هو الدنيا وزهوتها

                                       لنا ابتهاج وللباغين إرغام

 منذ أن وطأت أقدام المستعمر الفرنسي تراب الوطن السوري الناهض، هبت روح المقاومة ضد الاحتلال متجليةً بالدور الطليعي المتقدم لوزير الدفاع يوسف العظمة، الذي رفض الانصياع لإنذار غورو، وقاد قواته إلى ميسلون على مشارف دمشق لدحر العدوان، وهو على يقين بأن ما يملكه من عدة وعتاد لا يرقى إلى مستوى المواجهة مع عدوّ مدجّج بالسلاح والخبرات القتالية، ولكن كما قال الشهيد يوسف العظمة: سنقاتل حتى آخر رمق كي لا يقال إن فرنسا دخلت إلى دمشق دون مقاومة.

وما إن انتصف ذلك النهار الدامي حتى فاضت روح يوسف العظمة، مع أرواح عدد كبير من رفاق السلاح من القوات المسلحة السورية، وهي اليوم مازالت تقاوم ببسالة وشجاعة نادرة فلول الإرهابيين الظلاميين التكفيريين، مواصلة معركة الجلاء حتى تحرير آخر شبر من تراب الوطن الذي استشهد العديد من أبنائه ليبقى حراً سيداً.

ألهم موقف العظمة واستشهاده الشعب السوري، وفي طليعته الأدباء والشعراء الذين سجلوا مآثره وخلّدوها قصائد تجاوزت حدود الزمان والمكان، وكان في طليعتهم أمير الشعراء أحمد شوقي وغيره كثيرون من الشعراء السوريين والعرب.

لم يألُ الشعب العربي السوري جهداً في سبيل تحرير وطنه من الاستعمار، مستخدماً كل السبل والطرق في مقاومة الأعداء، من تظاهر وإضراب واحتجاج وكفاح مسلح تجلى بأنصع صوره في الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، التي أسست لها ثورتا صالح العلي وإبراهيم هنانو، تلك الثورة التي عمّت أرجاء الوطن ممثلة أعلى درجة من النضج والوعي الوطني، وكبّدت المستعمرين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وبشكل خاص في معارك الكفر والمزرعة والمسيفرة في محافظة جبل العرب، والتي كان من أهم شعاراتها (الدين لله والوطن للجميع).

واصل الشعب السوري الشجاع معارك الجلاء، بعد إخفاق الثورة، فما كان من المستعمرين إلا أن قصفوا دمشق، مدينة التاريخ والحضارة، بمدافعهم وطائرات حقدهم في التاسع والعشرين من أيار ،1945 فهدموا منازلها الآمنة وروّعوا أهلها، كما قصفوا البرلمان، رمز الديمقراطية السورية الوليدة.

وجدت هذه الحادثة انعكاساتها في الأدب شعراً ونثراً، أثارا الحماس، وساهما في توقّد جذوة النضال لاستمرار معركة الجلاء التي توّجت بمعاهدة جلاء القوات الفرنسية عن أرض الوطن.

الجلاء الذي دُقّت أبوابه بأيدٍ مضرّجة بالدماء، وبقلوب عامرة بمحبة الوطن والإخلاص له، مرخصة كل غال ونفيس في سبيل الحرية والاستقلال، وكان للمرأة السورية دور بارز في تحقيقه، فقدمت حليّها وقصّت جدائلها حبالاً، وعجنت وخبزت وأعدّت الطعام للثوار، كما نقلت السلاح وحملته، مساهمة في الثورة التي جسدت وحدة النسيج الاجتماعي في الوطن.

ما تزال معركة الجلاء مستمرة، لأن الأعداء الذين هُزموا أكثر من مرة على أسوار دمشق أيام الفرنجة، إذ قال حفيدهم (غورو):

ها قد عدنا يا صلاح الدين! يجددون محاولاتهم بأقنعة مكشوفة وأفكار جهنمية، في محاولة للقضاء على مشروع الدولة الوطنية السورية، ويبذلون جهوداً يائسة لإحياء مشروع التقسيم الذي فعلته فرنسا بالأمس وهزمه الشعب السوري.. وهو يعود اليوم إلى الواجهة مدعوماً بقوى عديدة وأسلحة فتاكة لتمزيق وحدة النسيج السوري وإعادة عجلة التاريخ قروناً إلى الوراء.. إلى سيادة تحكّم الغرائز والعشائرية والقبلية والطائفية البغيضة..

لكن يقظة الشعب  السوري وقواه السياسية وجيشه الباسل سيحققون الانتصار على العدو القديم الجديد، على المشاريع الاستعمارية كيفما تجلت، وأية عباءات ارتدت، ولنا من خبرات الماضي ووعي الحاضر رصيد كبير كفيل برصّ الصفوف ومواجهة متواطئي الداخل وأعداء الخارج، بوحدة الإرادة والعمل من أجل هزيمة الظلامية ومن يقفون وراءها، وفي سبيل بناء سورية التعددية الديمقراطية، رائدة التحرر والتقدم على أساس العدالة الاجتماعية وصيانة حقوق أبنائها، بغضّ النظر عن لونياتهم وآرائهم، ما دام انتماؤهم للوطن.

تمت قراءته 3184 مرات