العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد : صمود جيشنا وشعبنا أثمر تراجعاً أميريكياً

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

توسيع دائرة الحريات وإشراك المواطنين في الحياة السياسية  تنمية اقتصادية اجتماعية عادلة وشاملة تلبي مصالح الكادحين والمنتجين

 عقد المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد اجتماعه الدوري مساء يوم السبت 7/10/2017 برئاسة الرفيق حنين نمر (الأمين العام للحزب) وبحضور الرفيق نبيه جلاحج (رئيس اللجنة المركزية).

قدم الرفيق الأمين العام تقريراً تناول فيه آخر التطورات السياسية والمستجدات على الصعيد الداخلي والإقليمي والعالمي، وكذلك عدداً من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ومهام الحزب في المرحلة القادمة.

كما بحث الاجتماع عدداً من القضايا الحزبية والتنظيمية، والتحضيرات الجارية لعقد اجتماع اللجنة المركزية القادم، والاحتفال بالذكرى المئوية لثورة اكتوبر الاشتراكية، والذكرى الـ93 لتأسيس الحزب الشيوعي السوري، وإجراءات إقامة الندوة المكرسة لمناقشة (رؤية الحزب الشيوعي السوري لمستقبل سورية)، والدعوة إلى عقد اجتماع خاص للأحزاب الشيوعية في البلدان العربية، والمشاركة في اللقاء اليساري العربي الذي سيعقد في بيروت نهاية هذا الشهر.

بحث الاجتماع جميع هذه القضايا، واتخذ القرارات المناسبة حول كل منها، وحدد المهام المطلوبة لتنفيذها.

أيها الرفاق الأعزاء

في فترة انعقاد الاجتماع السابق للمكتب السياسي، كان المناخ السياسي العام في البلاد وفي المنطقة يبشر بقدوم مرحلة جديدة تتسم بقرب انتصار الحق السوري على كل الأصعدة، فقد فُكّ الحصار عن دير الزور، وأصبح هدف تقسيم البلاد الذي تسعى إليه أمريكا بعيداً وصعب المنال، ووُجِّهت ضربات قاصمة للإرهابيين أينما كانوا، وتساقطت مواقعهم الواحد تلو الآخر، ولم يعودوا يسيطرون على أكثر من 10% من مساحة البلاد، بينما كانت هذه النسبة تعلو على 80% حتى وقت قريب.

وعلى المستوى السياسي العالمي تراجعت المواقف الغربية المتشددة، وسقطت المبادرات التي فحواها إخضاع سورية للغرب سياسياً، بعد أن استحال عليهم إركاعها عسكرياً.

وساد في البلاد جو من الارتياح والتفاؤل، وتحسنت بعض الخدمات، وازداد الحديث حول إعادة الإعمار، كما كثرت أعداد العائدين إلى الوطن، وبدا وكأن صفحة جديدة قد فتحت، وأن الحرب أصبحت وراءنا وما علينا إلا أن نركز اهتمامنا منذ الآن على المهمات المستقبلية.

إن هذا الجو مازال قائماً، وتتعافى البلاد خطوة خطوة، والاهتمام بالشأن الداخلي يزداد أكثر فأكثر، بعد أن أحس الشعب بوضع أفضل نسبياً من الأمان، ولا يعكر صفوه إلا أمراء الحروب وعصابات الخطف والتشبيح واستغلال النفوذ وتجار الأزمات، وتترسخ القناعة لدى معظم الشعب السوري أن البلاد محاطة بسياج أمني وعسكري قوي جداً قادر على حماية حدود الوطن واستقلاله، قوامه الجيش والحلفاء.

لا شك أيها الرفاق أن هذه المرحلة التي تعتبر إيجابية في محصلتها العامة، والتي يعود الفضل الأساسي فيها لصمود الجيش السوري وحلفائه، قد أجبرت الولايات المتحدة على التراجع الذي لا يمكن وصفه بالتراجع المنظم أو بالتراجع العشوائي، فالموقف الأمريكي بشأن الأزمة السورية هو انعكاس للخلافات الأمريكية الأمريكية، وللتناقضات الأمريكية الأوربية، ولتراجع أسهم أمريكا لدى حلفائها وأصدقائها في العالم، فضلاً عن ثوابتها المتمثلة في الحفاظ على أمن إسرائيل وعلى النفط، وإضعاف روسيا وإيران إلى أقصى الحدود.

إن الإشارات التي تعطيها السياسة الأمريكية تجاه بلدنا تبعث على التساؤل، فهل تعترف أمريكا بهزيمتها وهزيمة مشروعها في المنطقة، أم أنها تكابر بالمحسوس وتصر على مواصلة نهجها العدواني، وتسعى إلى تحقيق أهدافها تجاه سورية مهما كان الثمن؟

في الأيام القليلة الماضي تكشّف الأمر، واتضح أن أجهزة رصد أمريكية متطورة قد حددت الإحداثيات عن مواقع الجيش العربي السوري في التنف، وأعطتها لداعش التي قامت بقصف هذه المواقع، وتسببت باستشهاد العديد من العسكريين السوريين، وكذلك الأمر بالنسبة للقريتين، كما ضبطت الأجهزة الروسية تعاوناً متبادلاً بين (قسد) و(داعش) في المعركة التي دارت في الطريق الواصل بين تدمر ومدينة دير الزور، هذه المعركة التي ما كان لها أن تحدث لولا تعاون استخباراتي وثيق ومتطور من أجهزة عالية المستوى، وهي أمريكية بالطبع، وهناك حوادث عديدة مماثلة تدل على التعاون القائم بين (داعش) و(قسد) برعاية أمريكية، رغم التنافس القائم بينهما حول احتلال الرقة.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك تعطيل الاتفاق الأردني - السوري حول فتح معبر نصيب، إذ رفضت بعض الميليشيات الإرهابية، بتحريض من أمريكا وإسرائيل، العمل بهذا الاتفاق، وبالتالي عاد التوتر نوعاً ما إلى الجبهة الأردنية، كما لا يمكن، في هذا السياق، عزل اشتعال بعض المواقع في شرقي حمص وشمال شرق حماة، بعد الأنباء عن وصول كميات كبيرة من الأسلحة إلى تلك المناطق.

أما حادث التفجير الكبير في قسم شرطة الميدان في دمشق، فهذا الحادث الإجرامي لا معنى أو قيمة أمنية أو عسكرية له سوى إبقاء حالة التوتر قائمة وزعزعة الاستقرار الوليد ورفع الروح المعنوية المنهارة لدى الإرهابيين أينما كانوا. لقد توعد الأمريكان الروس أنهم يخبئون لهم مفاجأة عسكرية، فردّ لافروف بأن مفاجأتهم هذه سيتم تدميرها في مهدها، وغير بعيد عن ذلك الجو العام المتوتر بين روسيا وأمريكا حول الاتفاق النووي الإيراني الذي يمكن أن يفجر نزاعاً دولياً مدمراً، إذا ما أصر الرئيس الأمريكي على إلغائه، بالرغم من معارضة العالم بكامله وبضمن ذلك أوربا، لهذا الموقف الأرعن المصاب بهوس الحروب والعظمة. وتدخل قضية استمرار فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا ضمن نطاق تسميم المناخ العالمي.

بعد هذه العقبات والعراقيل التي تختلقها أمريكا أمام تحسين العلاقات الدولية، ونبذ سياسة الضغوط والعقوبات على الشعوب، والكف عن استعمال القوة، هل يمكن القول إننا على حافة انهيار التفاهمات الدولية والإقليمية حول سورية، التي تأسست على الانتصارات العسكرية السورية على الإرهابيين، وتكاد تشل القدرات التخريبية للفصائل الإرهابية وتجعلهم مضطرين إلى اتباع حرب العصابات والاغتيالات، ونقل مقار قياداتهم من سورية والعراق إلى أماكن أخرى في العالم؟

وهل تسعى أمريكا إلى تغيير ميزان القوى الجديد دولياً وإقليمياً وداخلياً، وتحويله إلى ميزان يعيد إنتاج السيطرة الأمريكية؟

وإذ شعر الأمريكان أنهم ضمن إمكانياتهم الراهنة غير قادرين على خلق ميزان القوى الذي يغير المعادلات الجديدة في المنطقة، فهل يستعينون بورقة جديدة قد تخلط الأوراق وتعيد الأوضاع إلى المربع الأول؟ إننا نعني بذلك احتمال استغلال الوضع الذي نشأ في الإقليم عقب الاستفتاء على انفصال كردستان العراق عن الجمهورية العراقية.

إن قراءة ردود الأفعال- الإقليمية خاصة- على هذا الاستفتاء، والتوتر الشديد الذي يخيم على بلدان الإقليم، والاحتمالات المفتوحة على كل اتجاه، تجعل من فرضية الاستغلال والتورط الأمريكي في هذه الأزمة الجديدة، فرضية واقعية، وإلا من يستفيد من انفصال شمال العراق عن عراقه الكبير؟ وكيف يمكن أن يعيش الكيان الجديد- إن حصل- بمعارضة كبيرة من أقسام هامة من الشعب الكردي في الشمال، وبمعارضة حادة من دول الإقليم الأربع، إلى درجة الاقتراب من الحلول العسكرية التي تشجع أمريكا عليها، ما دامت تشعل حريقاً جديداً في المنطقة لا يستفيد منه سوى أمريكا وإسرائيل، البلد الوحيد المؤيد لهذا الكيان في العالم كله؟

إننا مع كل تقدمي في العالم، نؤيد حق تقرير المصير لكل الشعوب، ولكن ذلك يطبق حين يخدم مصالح شعوب المنطقة السياسية والاقتصادية والثقافية المشتركة، أما في الحالة الراهنة فسوف يُنشئ نزاعات ربما تكون حادة جداً ودموية.

ثم ألم يتساءل الأشقاء أكراد العراق، لماذا كل هذا التأييد الإسرائيلي للدويلة المقترحة؟ وهل تكمن مصلحتهم في معاداة العرب والتعاون مع إسرائيل؟ إن حق تقرير المصير يكون فعلاً هكذا عندما يتحاور الطرفان حول صنع المستقبل معاً، لا أن يفرض عليهم هذا المستقبل خلافاً للدستور، وخلافاً للقوانين الداخلية، ولمصالح دول الجوار، وهذا ما فعله البرزاني.

إننا نعتقد أنه ما من جهة في العالم تستطيع القيام بمثل هذه الخطوة ما لم تكن مدعومة بقوى قادرة على حمايتها. وهنا نقول: إن مصلحة أمريكا وإسرائيل تكمن في إحراق العراق ثانية، وفي امتداد هذا الحريق إلى دول المنطقة وخاصة إلى سورية التي لم تبرأ حتى الآن من جراحاتها النازفة منذ سبع سنين.

هناك دعوات إلى التهدئة والحوار والعودة إلى التعقل ورؤية المصالح الاستراتيجية لشعوبنا، ولكن هذا يمكن أن يتحقق عندما تطوى صفحة الانفصال والاستفتاء، وتعود الوحدة إلى العراق على أساس الدستور، الذي يمكن أن تجري عليه التعديلات الملائمة بالحوار والتوافق.

لقد حدثت في الأسابيع القليلة الماضية، عدة حوادث مؤسفة في بعض قرى شمال حلب وفي محافظة الحسكة.

فقد فرضت وحدات حماية الشعب اللغة الكردية بدل العربية على المدارس السورية في 12 بلدة شمال حلب تسيطر عليها، وإن سكان هذه البلدات رفضوا الانصياع لقرار هذه الوحدات ومنعوا أطفالهم من الذهاب إلى مدارسهم، مطالبين المنظمات المعنية بالتدخل لمنع تحويل لغتهم إلى الكردية، كما أعلن السكان عزمهم على التشبث بالعربية لغة آبائهم وأجدادهم.

كما شاع خبر (الانتخابات) المحلية التي جرت في بعض أنحاء الحسكة، والتي- كما قيل- إنها تمثل المرحلة الأولى من سلسلة انتخابات تختتم بانتخابات لمجلس تشريعي.

ولا ندري ما هي المرجعية القانونية والإدارية لهذه الانتخابات، وإذا صحت هذه المعلومات فإننا ندعو الجميع إلى العمل بموجب الدستور السوري والقوانين السورية والإدارة السورية، فهي السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، ولا مبرر لمثل هذه التجاوزات. لقد قاتل العرب والأكراد معاً في محافظة الحسكة الإرهاب الداعشي، وحافظوا على وحدة المحافظة، لذلك ليس هناك من مبرر لهذه التصرفات غير الشرعية التي تلحق الأذى بالوطن ككل.

 

أيها الرفاق

بعد كل هذا الاستعراض الذي جرى للعقبات التي يحتمل أن تعيق مسار الحل السياسي، هل يمكن أن تعود الأمور إلى المربع الأول؟

 إننا نشك في ذلك للأسباب التالية:

1- لقد اكتسح الجيش العربي السوي كل المواقع الإرهابية في البلاد، وخاصة بعد أن استعاد الميادين وفي غضون أيام يستعيد البوكمال ويلتحم الأشقاء السوريون والعراقيون في جبهة واحدة، والجيوب الباقية في أماكن أخرى متفرقة، لا يمكن أن تغير اللوحة الاستراتيجية للبلاد.

2- لا توجد إمكانية عملية لتدخل عسكري أمريكي براً.

3- الأزمة التي تعاني منها الفصائل الإرهابية هي أزمة وجود، والتناقضات تنهش بها، والتصفية الجسدية هي أسلوبهم الرئيسي، وقد تضاءلت الأموال التي كانت تنفق عليهم من أسيادهم أمريكا- فرنسا- تركيا- السعودية- قطر.

4- التعاون السوري وباقي حلقات حلف المقاومة وأصدقائه روسيا- الصين- إيران- العراق- حلف بريكس وشنغهاي والمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وهذا التعاون هو في أكثر حالاته رسوخاً.

5- الحلف الأمريكي- الأوربي في حالة تصدع، وللملف النووي الإيراني والأزمة السورية علاقة بذلك، ولكن شبه الإجماع الدولي الذي نشأ ضد سورية منذ خمسة أعوام قد انفرط عقده.

أيها الرفاق:

لهذه الأسباب ولغيرها أيضاً نعتقد أن العطب الذي أصاب المشروع الأمريكي في المنطقة هو من النوع الذي لم يعد من الممكن إصلاحه في هذه الحقبة الزمنية، بسبب مجافاته للوقائع الجديد وللمنطق، ولأنه مايزال يتعامل مع الشعوب تعامل الأسياد مع العبيد.

أيها الرفاق إنها الفرحة التاريخية أمام الشعب السوري، فقد دفع أثماناً غالياً للمحافظة على الدولة الوطنية، وعلى مؤسساتها، وهو لن يفرط بهذا المكسب الكبير.

وهو يعلم أيضاً أن هناك من يتهيأ لمواصلة الحرب واستثمارها لمصلحته الفئوية أو الطبقية أو السياسية أو الفكرية والثقافية، وشعبنا ينتبه تماماً إلى أن تيارات الظلام المختبئة وراء بعض الجمعيات، تريد إعادة زرع روح التعصب والتشدد في عقول الناشئة، وهو أمر لم يعد من الممكن غض النظر عنه، لأن الحرب الأخيرة على البلاد قد أثبتت، فيما أثبتت، أن بعض دعاة الأديان شكلوا حاضنة للقوى الإرهابية، وأسهموا في توليد الفكر الذي جعلوا منه مستنداً لهم في موقفهم من التشدد والإرهاب.

والشعب السوري يدرك أيضاً أنه دون قيادة الدولة لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية- اجتماعية عادلة وشاملة، في مصلحة العمال والفلاحين والمثقفين والموظفين، ولا يمكن تسليم مفاتيح الاقتصاد الوطني ومؤسسات وشركات القطاع العام للفئة التي لا همّ لديها سوى مراكمة الأرباح الخيالية الناجمة عن أنشطة طفيلية وليست إنتاجية، بينما الشعب الكادح الذي يشكل أكثرية المجتمع يكاد لا يستطع تأمين لقمة عيشه.

ثم إن الشعب مقتنع تماماً بأن بناء الدولة الحديثة يتطلب مناخاً سياسياً جديداً قوامه توسيع دائرة الحريات العامة وحرية الأحزاب وتنشيط العمل الحزبي والسياسي، وإشراك أوسع الجماهير في الحياة السياسية، وإطلاق حرية الصحافة، ومعالجة أوضاع الموقوفين على أساس الرأي بهدف إطلاق سراحهم ماداموا لم يحملوا السلاح ضد الدولة ولم يخربوا منشآتها، الأمر الذي يشجع الناس على الانخراط في العمل السياسي وعدم التوجس منه.

إن مكافحة الفساد، كما يقول الجميع، أصبحت مهمة وطنية، ولكن للأسف، لم تتخذ أية إجراءات رادعة أو آليات عمل جديدة، حتى أصبح ترداد هذا الشعار عملاً روتينياً لا أكثر، ومثله معالجة ارتفاع الأسعار الجنوني والضائقة الاقتصادية المؤلمة التي يعيشها ذوو الدخل المحدود، دون أية استجابة فعلية من أحد.

لم يعد إعلان سقوط الدويلة الخرافية- دولة داعش- إلا مسألة وقت، وسيستمد شعبنا السوري وباقي الشعوب العربية التي تعرضت لآثامها وجرائمها من هذا النصر، القوى والعزيمة لمواصلة النضال بالأساليب السلمية والديمقراطية من أجل الدولة الوطنية التقدمية، الديمقراطية والعلمانية.

 

تمت قراءته 61 مرات