العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

على الطريق سائرون

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

أن تتحدث عن سيرة الرفيق يوسف الفيصل، يعني أن تتحدث عن أكثر من نصف قرن من التاريخ النضالي المشرف للشعب السوري بكل ما فيها من صفحات مجيدة ومن أخطاء وعثرات.

لقد كان الحزب الشيوعي السوري، برغم الكثيرين، أحد المكونات الأساسية للحياة السياسية في سورية، التي تمركزت حول النضال ضد الإقطاع، وضد الاستغلال الطبقي للعمال، ومن أجل وحدة سورية واستقلالها الناجز حتى حصول الجلاء، الذي لاقاه الحزب بالحرص الشديد عليه وعلى الحريات الديمقراطية ومقاومة الانقلابات العسكرية، ونشر الوعي الاشتراكي. ومهما كانت التقييمات لتاريخ الحزب متباينة في هذه القضية أو تلك، فلا يمكن أن نظلم الحزب ونقفز فوق مواقفه التاريخية تلك.

وعندما نتحدث عن الحزب في تلك المراحل فلا تستقيم الأمور دون التطرق إلى الدور الخاص المميز الذي كان يلعبه الرفيق يوسف الفيصل، الذي كان الميل واضحاً لديه بأن تكون مساهمته في صنع القرار أكثر من الميل لإبراز دوره الشخصي في صنعه.

حدثت الوحدة المصرية السورية وضُرب الحزب ضربة موجعة أعقبها الانفصال، ثم الثامن من آذار 1963 والحركة التصحيحية 1970.

وتباينت المواقف في الحزب إلى درجة الانقسامات، ولم يعد هناك شيء لم يوضع تحت المشرحة، وجرى الكثير من التبادل في المواقع، وفي التحالفات ضمن الحزب، إلى أن أدركت أقسام أساسية من الحزب أنه آن لها أن توقف مسلسل الانقسامات، والبدء بمسار توحيدي جديد، لعب الرفيق يوسف الفيصل دوراً أساسياً ومتميزاً في تحويله من مجرد شعار إلى واقع عملي يعيشه الحزب الآن، رغم وجود العديد من ترسبات الماضي، ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل كان يصر على ربط هدف التوحيد بهدف التجديد، في زمن صعب، عصفت فيه الانهيارات بالمعسكر الاشتراكي، وصار من أعقد الأمور أن تجمع بين الهدفين في وقت واحد معاً، ولكنه لم يكف عن محاولاته في هذا الخصوص، نجح في بعضها ولم ينجح في بعضها لآخر لأسباب عديدة، أهمها قوة العادة، والتناقض بين البنية الحزبية القائمة وبين هدف التجديد، والاعتياد على أساليب قديمة متجذرة.

رحل أبو خلدون ولم تتحقق كل أمنياته، ولا يمكن أن ننسى مأثرته في المؤتمر العاشر للحزب المنعقد في عام 2006 حين أعرب عن رغبته في عدم التجديد له مرة أخرى كأمين عام للحزب.

ورغم أن هذا الأمر يعد طبيعياً وفق مقاييس الزمن الراهن إلا أن دويَّ هذه المبادرة كان قوياً، إذ كانت من الحالات النادرة في الحركة الشيوعية العالمية التي يغادر فيها رفيق ما مركز الأمين العام طواعية أو بحكم العمر، ولكن الرفيق يوسف الفيصل فعلها فعلاً.

في المنعطفات الكبرى التي مرت بالبلاد والتي انعكست على الحزب تبايناً واختلافاً، كانت ثوابته محددة ولا تقبل المساومة فيما هو مبدئي، وبقيت بوصلته غير قابلة للضياع، ولعل في ذلك أحد أهم عوامل وحدة الحزب، التي لم تهزَّها الأعاصير.

الإعصار الأخير الذي يمر بالبلاد الآن أصاب أبا خلدون في صميم وجدانه وروحه وكبريائه، وما أصاب مدينة حمص العزيزة على قلبه وعلى  قلب كل سوري أحدث نزفاً في قلبه، إذ لم يتمكن من إيقاف ما كان يجب إيقافه من دمار ومآسٍ.

يوصف الفيصل، الإنسان، الذي بقي يتابع مصير الوطن وجرحه الدامي حتى آخر يوم من أيام عمره، والذي كان يصر على حضور كل اجتماع حزبي على الرغم من تدهور صحته، ترك لنا أمثولة وملحمة من ملاحم الصبر على تحمل العذاب، عندما كان يرى أحباء قلبه يرحلون من أمامه الواحد تلو الآخر.

فلنتذكر يوسف الفيصل الذي عاش ومات شيوعياً ومناضلاً وطنياً، فنحنُ على طريقه سائرون.

 

حنين نمر الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد

تمت قراءته 72984 مرات
حنين نمر

حنين نمر الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد