العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

رحيل المطران كبوجي حامل لواء فلسطين

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

انتقل إلى جوار ربه مؤخراً المطران هيلاري كبوجي، بعد حياة قضاها في النضال من أجل حقوق شعب فلسطين، فقد كان متعاطفاً مع الثورة الفلسطينية بشكل غير مسبوق، بل وكان منخرطاً في صلبها.

ابن حلب البار كبوجي، هو الاسم الوحيد الذي حمل لواء فلسطين، ومن شدة حماسه لها، أقدم على نقل سلاح في سيارته، مما أدى إلى سجنه أربع سنوات تقريباً، فيما حُكم عليه باثنتي عشرة سنة.

إن جيل الثورة الفلسطينية ومن عايشها يعرف أن الثورة فتحت طريقاً سالكاً إلى فلسطين حتى صارت على بعد أمتار منها، كما قال نزار قباني، لكن مع كل أسف ذهب ياسر عرفات قائد الثورة إلى أوسلو ليضع حداً لحلم كبير كادت البندقية أن تصنعه، على الرغم من أن الرئيس اليوغسلافي الراحل جوزيف بروزتيتو نصحه قبل وفاته بألا يفاوض الإسرائيليين وألا يعترف بإسرائيل.

على أية حال كان للثورة الفلسطينية التي أضاءت روحاً عربية مهزومة في العام 1967 متعاطفون ومشاركون من كل أنحاء العالم تقريباً، من اليابان إلى الأرجنتين، إلى ألمانيا، إلى إيطاليا وفرنسا، إلى إفريقيا، إلى فيتنام، وكوبا، وكانوا جميعاً يؤمنون بأن الصراع ضد الإمبريالية يبدأ من الانخراط بثورة فلسطين.

كان الراحل كبوجي من أكثر المسكونين بقضية فلسطين، ومن الذين اعتبروا احتلالها من قبل إسرائيل عاراً إنسانياً يجب غسله، وأنه لا يمكن الإحساس بالقيم الإنسانية إذا لم تكن فلسطين روح هذه القيم.

وحين تفوق المطران الحلبي الأصل كبوجي في عروبته، زاد من معنى لبوسه الديني المسيحي كي يقول بأن السيد المسيح أول ثائر فلسطيني بالكلمة والموقف والشجاعة والقيم الكبرى، وأن رجل الدين المسيحي يجب أن يكون فلسطينياً كي يُقبل دوره وانخراطه في عالم الكهنوت.. ولقد حوّل المطران الثائر أفكاره هذه إلى فعل، وظل مؤمناً بالبندقية حتى بعد أن خلعها قادة الثورة إلى حد منعها تماماً، كما فعل الرئيس الفلسطيني الحالي.

لقد قال نزار قباني (من يحتكم لفلسطين يكون الله تعالى قد أضاء بصيرته، ومن يحلم بعودتها، يشارك في كلمة الحق التي صوتها (طريق واحد يمر من فوهة البندقية)، وهكذا فإن المطران الراحل يكون قد تجاوز العلاقة مع روحانيته في صنع علاقته مع القضية التي آمن بها ورأى فيها ذلك السر الإلهي الذي يجب فهمه وتعلمه، كي يكون التقرب من الله حقيقياً.

من المؤسف أن نرى ماذا يحصل لقضية فلسطين من تجاهل عربي لها، بل من تواطؤ لتصفيتها بالطريقة التي تريدها إسرائيل، ومن المؤسف أيضاً القول إن الثورة الفلسطينية تراجعت بفعل فاعل من ترجمة للطريق الموصل إلى فلسطين، إلى درب مسدود مازال القائمون على القضية الفلسطينية يعاندون الحقيقة، ويغلقون على أنفسهم وعلى شعبهم كل إمكانيات العودة إلى تراث ثوري هز العالم وشده إليه.

رحل المطران كبوجي شهيداً في كل الأحوال، لأن قامته امتزجت بفلسطين وواكبتها حتى التسعين من عمره تقريباً، لأن البندقية ظلت مرسومة في روحه ووحيه الدائم.

تمت قراءته 232 مرات