العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

من أم في يوم عيدها...

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

(يا بيّي.. قالتلنا الآنسة هند بكرا عيد الأم، شو بدّك تعطينا لنجيب هديّي لأمي؟)

تنفرج أسارير الأب، عن بسمة مداعبة، ملوَّنة بالجَّد، إذ يقول: من يريد تقديم هدية لأمُه، عليه أن يدفع ثمنها من جيبه.

نندفع إليه بنزقنا الطفلي، لنعِدَه بحزم رجولي، أننا غداً عندما نكبر، لن نقصِّر في غمرهما بالهدايا، هو وأمنا!

صوت

ويمضي قطار العمر، ماراً بمحطات الحياة، مرور الكرام حيناً، ومرور اللئام أكثر الأحيان. فيخالف رغباتنا هنا، ويخاتل وعودنا هناك. وكأن آخر همه، الالتفات لأحلام الأطفال، والاكتراث بمشاعر الأمهات.

ويحدث أن نسمع - مغتربين ومغرّبين - صوت الوطن، مجبولاً بصوت الأم. يعلن من إحدى المحطات:

(تعطل غداً المدارس وجميع دوائر الدولة والمؤسسات الرسمية، بمناسبة عيد الأم، باستثناء ما يتبع منها نظاماً خاصاً..).

فيذكر بعضنا متجلداً، دون دموع، أنه لم يفِ بما عاهد عليه أمه المنتظرة. وقد يتنهد مردداً مع (درويش) و(خليفة): أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي.

أو يذكر بعضنا مع انثيال الدموع، بما لم يقله ولم يفعله، وكان حريّاً به، وبوسعه، تُجاه أمه الراحلة، وقد يتعرّى أمام نفسه، ويصبّ زيت الندم على نار جرحه، ولا يعزّيه صوت فايزة أحمد الذي يملأ عليه سمعه وإحساسه، وكأنه آتٍ من أعماق أعماقه، مصوراً مشاهد لـ (ست الحبايب) حين تقول: (زمان تعبتي وسهرتي و..)!

ضياع

مع توالي الليل والنهار، وتواتر الصيف والشتاء، استدعى (الحق) إلى ملكوته مَنْ استدعى، وأبقت الحياة على قيودها من أبقت. ثم جاءت الحرب- الكارثة، لتغوّل بلادنا وتمتحننا أرضاً وسماءً، طيراً ونباتاً، وشجراً وبشراً. فيذود الرجال عن الأرض والعرض، وتفدي الأمهات بفلذات أكبادها الأم الأكبر.

وتضيع المسافة لدى معظم السوريات والسوريين، ما بين الأم الأصغر (على ما تُسّمّى) والأم الأكبر (سورية).

رؤيا

تغيم الرؤية أمام عينيّ لحظة، ثم تنجلي. فإذا بي أرى على سارية خاطري، من مكاني هنا في ربيع أحد حقول قريتي.. أرى علمنا السوري، يرفرف على سارية مدرستي الابتدائية (خلخلة الريفية). وأراني طفلاً عائداً من المدرسة، أضم إلى صدري بأصابع الروح والكفين، هدية أمي في يوم عيدها: فوطة ومحرمة بيضاء. وأرى الدنيا ملاعب وأراجيح وطاباتٍ ملونة.

ويفاجئني هديل عالٍ، من حممة حطت إلى جانبي. هديل قـرأت فيه صوت أمي الراحلة، يزف إليّ أحلى هدية:

رضاها عليّ، وبشراها لي، بخلاصٍ قريب لأمنا المقيمة.. أمنا الأكبر.. سورية!

تمت قراءته 301 مرات