العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

الحمضيات.. معاناة مستمرة وهدر مجهول الأسباب

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

لم تكن معاناة مزارعي الحمضيات في سورية عامة والساحل خاصة جديدة، ولم تكن من مفاعيل الأزمة المعقدة التي تمر على سوريتنا الغالية، لأن هذه المعاناة سابقة للأزمة بسنوات وفق طلبات متكررة لاعتبارها محصولاً استراتيجياً كغيرها، وأن تتكفل الحكومة بتسويقها عبر فتح أسواق تصديرية وإقامة معامل عصائر وتقديم التسهيلات للقطاع الخاص للقيام بخطوات كهذه، ولكن بقي هذا كلاماً فارغاً خيالياً لا تطبيق له على أرض الواقع، وحتى الأسعار التي وضعت لاستجراره من قبل لجنة متكاملة عدلت على الرغم من أن الأسعار الأولى التي تعطي الصنف الأول 90 ليرة والثالث45 ليرة لم تكن الأسعار المجدية، وخفضت للأول إلى 75 ليرة  وللثالث إلى35 ليرة، وكأن لهذا المحصول خصوصية ليعاد دراسة أسعاره من جديد علماً أن تحديد الأسعار كان من لجنة مؤلفة من كل الوزارات والهيئات المختصة به، وأن الاستجرار من قبل مؤسسة التجارة قليل ووفق امتيازات لقلة، وحتى موضوع مؤسسة التجارة التي استوردت الموز نيابة عمن كان يقوم بهذه المهمة سابقاً، وتخفيض سعره كسلعة منافسة في موسم الحمضيات كان مفاجئاً من حيث التوقيت والسلوك كونه يضر بآلاف المزارعين ولا يخدم سوى قلة من السماسرة والموردين.

الموسم الماضي كان منظر مزارع الحمضيات يبكي الغريب فكيف القريب؟ الثمار تحت الأشجار مهترئة وفوقها تبكي عصائرها ولا قدرة للمزارع على جنيها أو تسويقها فسعرها غير مجدٍ، وجنيها بحاجة إلى أموال، وتركها هو الخيار الأسهل مع ما يحمله من خسائر مادية وبيئية وإنتاجية للأشجار لاحقاً. في الموسم الماضي أفشلت فكرة التصدير لروسيا عبر شخوص لم تهمهم فكرة انتقاء الأصناف الجيدة، فقد أهمل التسويق وفق بعض الأمبلجات وفق اختيار أسوأ الصنوف التي تجعل المستورد يشك بالتعامل وبالمحصول، فقد كان  همهم الربح ولو على حساب إفشال مستقبلي لهذه الفكرة التسويقية، علماً أن الحمضيات السورية تتفوق على جميع الحمضيات في الدول المجاورة، وكذلك فكرة مؤسسة التجارة الخارجية للتسويق وكذلك كنا قد نبهنا لضرورة اعتماد سياسة تثقيفية لتشجيع استثمار هذا المحصول بصناعة يدوية للعصائر، لما يحويه من فوائد وتكاليف أرخص مما يستورد أو يصنع، ولكن سياسة الإعلام بهذا المجال تتطابق مع مثيلها بباقي الأمور، وكذلك تواترت المطالب بإقامة معامل للعصائر، وخاصة أن معامل سابقة قد خسرت وقتلت وما زالت أماكنها موجودة وقريبة من المزارع المحيطة بها، ولكن تبريرات أو تجاهلات الحكمة كانت جاهزة للهروب من هذا السلوك، لا يمكن لأي كان أن يشك بالجدوى الاقتصادية لمشروع للسوق الداخلي أو للتصدير، ولكن هناك ما وراء الأكمة، وتستمر المعاناة، حتى تسويق مؤسسة التجارة للموز المستورد من لبنان وتوزيعه على المؤسسات الحكومية يضعك في لغز كبير، فلماذا لم ينفذوا هذه الآلية التسويقية  بالنسبة للحمضيات المزروعة محلياً وفق مواصفات مميزة في الظروف الصعبة لأغلب المواطنين، خاصة مزارعي الحمضيات وسط حصار اقتصادي ووضع أمني يمنع من تصديرها؟ ولماذا لم تقم هذه المؤسسة وغيرها بالمقايضة للحمضيات بدلاً من استيراد سلع منافسة؟ نقول لمن يتحجج بأن إقامة معامل العصائر غير مجدٍ: نتمنى أن تقرؤوا ما معنى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية وكيفية تقييمها، فكل الظروف تعطي صورة مبدئية شبة كاملة بالجدوى الاقتصادية الكاملة لإقامة معامل العصائر، ولكن من يضع الفيتو الفائز دوماً ضد إقامتها هنا يكمن اللغز.

 الحمضيات السورية محصول ذو مواصفات مميزة وهو محصول استراتيجي إن أُتقن التعامل معه والتفكير السليم باستثماره ومنتجاته اللاحقة، ومن يهتم بإعادة الانطلاقة الاقتصادية الاجتماعية أكيد يجب أن يضع هذا المحصول وفق أولوياته.

تمت قراءته 433 مرات
د. سنان علي ديب

عضو جمعية العلوم الاقتصادية