العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

الموازنة السابعة في ظل الأزمة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

زيادة الاعتمادات.. تراجع الحجم الفعلي

 موازنة 2018 هي الموازنة السابعة التي تتقدم بها الحكومة، في ظل الأزمة التي ما تزال تعصف بسورية، وهي ظروف استثنائية بجميع المقاييس، فمفاعيل هذه الأزمة، وبخاصة الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضه التحالف الدولي المعادي لسورية بقيادة الإمبريالية الأمريكية، وغزو الإرهابيين الذي دمر البشر والحجر والشجر، تركت تأثيرها السلبي، على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد، وتأثرت به القطاعات الإنتاجية العامة والخاصة، إذ تقدر قيمة الأضرار الناتجة عن مفاعيل هذه الأزمة حسب الخبراء الاقتصاديين نحو 400 مليار دولار.ودخل الاقتصاد الوطني مرحلة ركود انعكست لا على المؤشرات الاقتصادية فقط كالناتج المحلي الإجمالي..ونسب النمو، والدين العام، وحجم التجارة الخارجية، وقيمة الليرة السورية مقابل العملات العالمية الرئيسية، بل انعكست أيضاً على الأوضاع الاجتماعية لجماهير الشعب السوري، وخاصة الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والمتوسطة.

صحيح أن تراجع الإيرادات العامة الناتج عن مرحلة الركود التي يمر بها اقتصادنا الوطني يمارس تأثيره على الإنفاق الجاري والاستثماري للحكومة، ويحجّم دورها في خلق فرص العمل، وزيادة الاستثمار في القطاعات الاقتصادية العامة، لكن هذا التراجع يمكن التخفيف من آثاره عن طريق تحفيز المشاريع الصغيرة..وتعديل التشريعات الضريبية وملاحقة المتهربين ضريبياً.

جاء في بيان الحكومة المالي حول مشروع موازنة ،2018 حزمة من الأوليات التي ستتركز عليها جهود الحكومة في العام القادم، ولعل أبرز الهموم الغائبة عن هذه الأوليات هو الهم المعيشي الذي بات (بعبعاً) يؤرق الفئات الفقيرة والمتوسطة!

بلغت اعتمادات مشروع الموازنة 3187 مليار ليرة سورية، منها 2362 مليار للعمليات الجارية، و825 مليار للعمليات الاستثمارية.السمة البارزة في مشروع الموازنة هي تضخم الاعتمادات الناتج عن تراجع قيمة الليرة السورية أمام القطع الأجنبي، إذ جرى اعتمادها استناداً إلى سعر صرف يعادل 500 ليرة سورية للدولار الواحد، وهي بذلك تعادل نحو6,4 مليارات دولار.

يأتي مشروع الموازنة بعد مؤشرات تشير إلى تقليص تأثير أدوات الحكومة على الأسواق، وتخفيض الدعم الحكومي لأسعار المواد الأساسية لمعيشة المواطن.ونكرر هنا ما نبهنا إليه دائماً: إن خلق مناخ اقتصادي واجتماعي يغضب الجماهير الشعبية في الدول النامية المعادية للاستعمار والإمبريالية، كان هدفاً سعت إليه الولايات المتحدة منذ عقود، بهدف تقويض الأنظمة السياسية في هذه الدول، والاستعاضة عنها بأنظمة موالية، لذلك طالبنا مراراً بدعم الفئات الفقيرة والمتوسطة التي تعد الحامل الرئيسي لصمود سورية أمام غزو الإرهاب التكفيري.

تعد الموازنة العامة للدولة خطة مالية.. اقتصادية.. اجتماعية لعام قادم، وبهذا المعنى فهي تعبِّر عن نهج الحكومة للتأثير في الوضع الاقتصادي والاجتماعي في بلد ما، وهي أداة تستخدمها هذه الحكومة للتأثير في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتنفيذ سياستها الاجتماعية، وتحقيق أكبر قدر من الاستقرار، وتؤدي الموازنة في الدول الساعية إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، دوراً رئيسياً في إعادة توزيع الدخل الوطني بين فئات المجتمع، وذلك باقتطاع نسبة من الأرباح ودخول الفئات الأكثر دخلاً، وتوزيعها على مشاريع تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية، كمشاريع البنية الأساسية والتعليم، والإنفاق الاجتماعي على الفئات الأكثر فقراً.

ملامح الموازنة العامة للدولة لعام 2018

1 - بلغ الحجم الإجمالي للموازنة 3187 مليار ليرة سورية، بزيادة تبلغ 380 مليار ليرة عن موازنة عام ،2017 أي بنسبة زيادة بلغت نحو 20%، خصص منها مبلغ 2362 مليارات للإنفاق الجاري، بزيادة بلغت 380 مليار ليرة، و 825 مليارات للإنفاق الاستثماري وبزيادة بلغت 147 مليار ليرة عن عام 2017.

أولاً- الاعتمادات الجارية

1 - بلغ الدعم الاجتماعي حسب ما جاء في بيان الحكومة المالي نحو 1358 مليار ليرة سورية، رغم زيادة أسعار المشتقات النفطية التي ألهبت الأسعار، وتأثرت بها جميع القطاعات المنتجة.لقد أعلنا سابقاً ونعلن اليوم أننا لا نؤيد رفع أسعار المشتقات النفطية والطاقة الكهربائية، إذ تتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة وقطاعات الإنتاج انعكاسات هذا الرفع على جميع السلع والخدمات .

2 - خصص 375 مليار ليرة لدعم الدقيق التمويني، رغم زيادة أسعار الخبز، ونسأل هنا: ماذا عن السكر والرز؟ هل توقف دعمهما نهائياً؟!

3 - قدرت فرص العمل التي يوفرها مشروع الموازنة بـ (27317) فرصة عمل في القطاع الإداري، في الوقت الذي يرفد فيه سوق العمل بأكثر من 150 ألف طالب للعمل سنوياً! ويبدو هنا أن الحكومة تعول على القطاع الخاص في توفير فرص العمل لهؤلاء، رغم تراجع جميع القطاعات المنتجة في هذا القطاع بسبب الأزمة وغزو الإرهابيين.

4- تقلصت اعتمادات النقل والانتقال من نحو 6 مليارات ليرة عام 2017 إلى نحو 5 مليارات في موازنة ،2018 في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون السوريون في جميع المدن أزمة التنقل والانتقال بسبب غياب قطاع النقل الحكومي.

ونتمنى أن تحول هذه الاعتمادات إلى شراء وسائل نقل جماعية، وأن لايخصص منها لشراء السيارات السياحية للمسؤولين والمحظوظين.

ثانياً- الاعتمادات الاستثمارية

1 - بلغت اعتمادات الإنفاق الاستثماري 825 مليار ليرة، أعطيت الأوّلية لمشاريع المياه ومشاريع الإدارة المحلية والأشغال العامة، لكننا فوجئنا بزيادة طفيفة في استثمارات مشاريع الكهرباء، علماً أن القطاعات المنتجة..والمواطنين السوريين عانوا..وما زالوا يعانون من انقطاع الكهرباء.كذلك بقيت الاستثمارات في قطاع الصناعة التحويلية دون زيادة، علماً أن هذه الصناعة هي المشغل الرئيسي لليد العاملة، وتستأثر بالحصة الكبرى من مجمل الإنتاج الصناعي في البلاد، وكنا وما زلنا نطالب بدعم الصناعة التحويلية في القطاع العام الصناعي، بعد أن همشت مشاكل هذا القطاع في العقد الماضي، وهذا لا يتحقق دون زيادة الاستثمارات الحكومية في معامله ومصانعه، وتطويرها، وإنشاء صناعات جديدة.

2 - خصص ضمن الاعتمادات الاستثمارية مبلغ 388مليار ليرة كاعتمادات احتياطية للمشاريع الاستثمارية، ونأمل أن تصرف هذه الاعتمادات على تكملة المشاريع الاستثمارية، وإقامة مشاريع جديدة.نحن مع تنفيذ المشاريع المحددة في الموازنة بتكلفتها الواردة فيها، والتدقيق في كل كلفة إضافية، ومتابعة مراقبة تنفيذ هذه المشاريع عن طريق تقارير التتبع الربعية، واستخدام هذا الاحتياطي لإصلاح القطاع العام الصناعي، وإنشاء مشاريع صناعية جديدة.

ثالثاً- الإيرادات العامة

بلغت في المشروع نحو 2388 مليار ليرة سورية، منها 1540 ملياراً إيرادات جارية، بزيادة بلغت 40% عن عام ،2017 ونحو 623 ملياراً إيرادات استثمارية، بتراجع طفيف عن موازنة عام 2017.

1 - بلغت الضرائب والرسوم المباشرة 121 ملياراً، مرتفعة من نحو 100 مليار في موازنة العام الماضي، وهو أمر إيجابي، ولم يظهر في المشروع قيمة الضريبة على الأرباح والريوع، ومن الطبيعي انخفاض الحصيلة الضريبية في حالة ركود الاقتصاد، لكن هناك من استغل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وراكم أرباحاً فلكية بواسطة رفع أسعار المواد والسلع الأساسية، مما يستوجب ملاحقته ضريبياً، كذلك نرى أهمية ملاحقة المتهربين المزمنين من دفع ضرائب الأرباح والريوع والدخل المقطوع بهدف زيادة حصيلة الضرائب المباشرة التي تعد الضريبة الأكثر عدلاً، وتخفيض الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تفرض على الجميع دون الأخذ بالحسبان الفوارق بين الأغنياء والفقراء، ونرى أهمية تعديل التشريعات الضريبية باتجاه زيادة معدل الضريبة المباشرة على الأرباح الحقيقية.

2 - بلغت الضرائب والرسوم غير المباشرة 230 مليار ليرة سورية، بزيادة قدرها 35 مليار ليرة وهنا نكرر ما سبق أن ذكرناه مرارا بأننا مع زيادة الضرائب المباشرة على الأرباح والريوع، وتخفيض الضرائب غير المباشرة التي يتساوى في دفعها الفقير والغني.

رابعاً- عجز الموازنة

كيف السبيل إلى خفض العجز في مشروع الموازنة البالغ نحو 809 مليارات ليرة سورية؟ مشروع الموازنة وضع بعض الخطوات: كزيادة الفوائض الاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، ووقف الهدر، وتوجيه الدعم الحكومي لمستحقيه، وإجراءات أخرى، لكن هذه الخطوات غير كافية حسب اعتقادنا، لذلك نرى ضرورة وقف التكسب من الأموال العامة، ومكافحة الفساد الذي يفوِّت على خزينة الدولة المليارات، وترشيد استيراد المواد والسلع من الخارج، وعودة الدولة بقوة إلى ممارسة دورها في العملية الاقتصادية إنتاجاً وتسويقاً داخلياً وخارجياً عن طريق مؤسساتها المتخصصة التي همشت في العقد الماضي، وحل مشكلات القطاع العام الصناعي، وتسهيل إقراض الصناعيين الصغار والحرفيين وأصحاب المعامل والورش الصناعية الصغيرة في المناطق الآمنة.

خامساً- المشاريع الواردة في مشروع الموازنة

1 - نقترح إنشاء مصنع للعلف في محافظة حماة، ينتج الأعلاف الخاصة بالثروة الحيوانية، والدواجن، بعد أن خضع المربون لتحكم التجار بأسعار العلف المستورد، ولحماية هذه الثروة وتطويرها.

إنها ملاحظات سريعة على مشروع الموازنة العامة للدولة لعام ،2018 التي وضعت متأثرة بالظروف الناشئة في البلاد بعد أزمة عاصفة.. وحصار ظالم، وتدخل مباشر من الحلف المعادي لسورية، وغزو إرهابي يسعى إلى تهديم كل ما بنته الأيدي السورية الخيرة عبر عقود.

ونحن على يقين بأن إنهاض اقتصادنا الوطني مرتبط أولاً بنجاح المساعي الدولية لحل الأزمة السورية سلمياً، وثانياً بالعمل على إعادة الإعمار بعد نجاح المساعي السلمية وفق خطة حكومية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة بالمشاركة مع الرساميل الوطنية المنتجة، كان يجب أن تكون الأولى في سلم الأوليات، لا في المرتبة الـ،11 والاعتماد على الإمكانات الذاتية الكامنة في قوة شعبنا وصلابة عزيمته، ومواردنا الغنية، وأيضاً على مساعدة الدول الصديقة.

تمت قراءته 151 مرات