العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

أزمة التنمية والتغيرات العالمية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

منذ بداية عصر الاستقلال السياسي في العديد من دول العالم الثالث، ظهرت مجموعة من النظريات المهمة في علم الاقتصاد السياسي، حول طريق التنمية الذي يجب اتباعه لرفع مستويات المعيشة وتحسين نوعية الحياة، وزيادة فعالية النشاط الاقتصادي. ولقد ظهرت تلك النظريات في عصر اتسم بالاستقطاب في ظل الحرب الباردة التي تكرست بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبروز المعسكر الاشتراكي في مواجهة المعسكر الرأسمالي التقليدي. ولا شك أن هذا الاستقطاب الإيديولوجي قد خلق منافسة فكرية بين الاقتصاديين من المدارس السياسية المختلفة.

إن من أهم النظريات الاقتصادية التي تم تداولها على مدى عقود طويلة نظرية (التنمية المستقلة)، وهي تعني التحرر من قيود التبعية والاعتماد على الموارد الاقتصادية في البلاد دون الاعتماد على دعم الآخرين، وإذا توافر الدعم، سواء على شكل مساعدات أو قروض، فيجب ألا يربط بشروط قد تكون مجحفة بحق البلاد ذات الصلة. ولاريب أن هذه النظرية كانت ردة فعل على التجربة مع الاستعمار، ومحاولة للتحرر الاقتصادي بعد تحقيق التحرر السياسي من التبعية للدول المستعمِرة. وقد تراوحت تطبيقات أفكار (التنمية المستقلة) من مكان إلى آخر، ومن نظام سياسي إلى آخر، ولكن أهم نماذج (التنمية المستقلة) قد تم تطبيقه في ألبانيا في ظل النظام (الاشتراكي)، فقد عُزلت البلاد تماماً عن بقية بلدان العالم، ولم تكن هناك صلات تجارية تقريباً مع العالم الخارجي، وبمعنى آخر إن تلك الدولة الصغيرة لم تتكيف مع المتغيرات التقنية ومع الأساليب الإدارية التي مرت على بلدان العالم بعد نهاية الحرب العالمية.

هناك بلدان أخرى حاولت أن تطبق برامج للتنمية المستقلة دون العزوف عن التفاعل مع الزمان والمكان، وإن كان ذلك بشروط السيادة والتحرر وامتلاك القرار المستقل. ومن هذه الدول مصر وسورية وكوبا وغيرها.. وإن تفاوتت النماذج الاقتصادية المتبعة، لكن العامل المشترك بين هذه التجارب، المتباينة في النتائج، كان دور الدولة في التنمية الاقتصادية.

لقد اعتمدت هذه الدول دوراً مهماً للدولة، فاضطلعت مؤسسات مملوكة من قبل الحكومة بقيادة النشاط الاقتصادي، واحتكرت الامتياز والعمل في القطاعات الرئيسية في اقتصادات بلدانها. كذلك تميزت تجارب هذه الدول بالتقييد على نشاط القطاع الخاص المحلي والأجنبي، أو على الأقل حددت له شروط المساهمة في العمل الاقتصادي لا تتناسب مع أدبيات الفكر الرأسمالي. وقد أطلق بعض المفكرين الاقتصاديين على هذا النمط ما يسمى طرق التطور اللارأسمالي للتنمية الاقتصادية.

بيد أن هذا الاتجاه لم يساهم في تدعيم التنمية في الدول النامية، بل حدث العكس، فقد استأثرت مخصصات العسكرة والأمن بالمشاريع الحيوية، وتلك التي تحظى بالجدوى الاقتصادية، بل إن الأمر امتد ليشمل المشاريع التنموية ذاتها، فمثلاً خيار التصنيع الثقيل والاستراتيجي في بعض الدول النامية مثل الجزائر قد أفرغ خزائن هذه الدول في مشاريع لم تمتلك ميزة نسبية في بلدانها، وأدت إلى زيادة التزامات هذه الدول تجاه العالم الخارجي.

وبدلاً من أن تصبح هذه المشاريع أداة لتنمية الصادرات ومن ثم حصيلة الإيرادات بالعملات الأجنبية الصعبة، غدت المشاريع المذكورة عبئاً على هذه البلدان، ومثلت خدمة ديونها التزاماً مهماً تجاه العالم الخارجي، وقلصت من فرص توظيف حصيلة الصادرات، من سلع ومواد أخرى، في مشاريع التنمية الأخرى. وهكذا افتقدت مقومات التنمية المستقلة، بعد أن باتت الدول المعنية مدينة بأموال طائلة تجاه الدول والأسواق الأجنبية.

خلط الأوراق الاقتصادية

هناك دول حباها الله كما يقال بالنفط، تمكنت في وقت الصدمات النفطية أن تفوق إيراداتها مجمل نفقاتها، مما ولّد لديها فوائض مالية كبيرة، وتمكنت من تطوير بنيتها التحتية، لكن هذه الثروة المتأتية من النفط عززت من دور الدولة في التنمية الاقتصادية، وأصبحت الدولة تقود النشاط الاقتصادي في معظم القطاعات، وتهمش دور القطاع الخاص، أو على الأقل أصبح معتمداً إلى حد كبير على الإنفاق العام ونشاط الدولة، ولم يكن هذا التطور وليد قناعات عقائدية أو التزامات سياسية، بقدر ما كان نتائج آثار الثروة النفطية المكتشفة على مجمل الحياة الاقتصادية.

لم تكن الدول التي التزمت الاقتصاد الموجه جميعها في ظل ذلك الاستقطاب الدولي الذي كان مواليه للمعسكر الاشتراكي، إذ كانت هناك دول اتبعت الاقتصاد الموجه نتيجة لظروف اقتصادية لم تكن موالية له، كذلك يجب أن نذكر أن العديد من الدول المنتجة للنفط، سواء في الشرق الأوسط أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، على الرغم من اقتصاداتها المعتمدة بشكل رئيسي على الإنفاق العام ونشاط الحكومات، فإنها كانت موالية سياسياً للولايات المتحدة أو الغرب أو المعسكر الرأسمالي عموماً. ولذلك يمكن القول إن الأوراق الاقتصادية والسياسية قد اختلطت في العديد من هذه الدول النامية، ولا يمكن الادعاء بأن هناك فرزاً سياسياً أو أن هناك منهجاً اقتصادياً يعتمد على رؤية عقائدية واضحة يحدد مسار التنمية الاقتصادية. لكن ما يهم ونحن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين هو أن نبين مدى أهمية المسائل التنموية في أوليات سورية والدول العربية.

لقد انتهى عهد الصراع بين المعسكرين، بيد أن هذا لا يعني نهاية للفكر الاشتراكي أو بداية انفتاح كامل على اقتصادات السوق، بل إنه حتى في الدول الرأسمالية المتقدمة مازال للدولة دور كبير، وهناك التزامات على الحكومات تتمثل بالإنفاق على التعليم والطبابة، ورسم السياسات المالية والسياسات الاجتماعية للحماية من البطالة وتوفير الخدمات الاجتماعية ورعاية المسنين، ووضع سياسات مالية لمعالجة الأزمات الاقتصادية مثل الركود والكساد، وكذلك تسخير السياسات النقدية لمواجهة التطورات الاقتصادية بما يتناسب مع توفير الاستقرار الاقتصادي، وتحفيز النمو. لكن مقابل هذا هناك دعوات جادة باتجاه تخصيص الملكية العامة، ومنح القطاع الخاص دوراً أكبر في الحياة الاقتصادية، وتوسيع قاعدة الملكية، وتوفير فرص المنافسة بين جميع العاملين في مختلف القطاعات الاقتصادية، والتحول نحو الاقتصاد الحر. بيد أن العديد من النتائج يمكن أن تتمخض عن هذه الدعوات، فالتكاليف الاجتماعية والسياسية لهذا النهج ليست يسيرة، بل إنها ربما تكون باهظة، وإن الموافقة على هذه الدعوات والتسليم بها دون تحفظ، من أجل الحصول على الدعم الدولي، سواء من الدول الغنية أو المؤسسات المالية العالمية، بذريعة قلة الموارد الحكومية، أدى بتلك البلدان النامية التي اتبعت هذا المسار إلى أزمة اقتصادية واجتماعية كبيرة، وإلى فقدانها لاستقلالها السياسي، والأمثلة على ذلك كثيرة.

إن طبيعة التنمية التي تنتصب أمام البلدان النامية حالياً وفي السنوات القادمة، ستتركز على حل معضلات اقتصادية حادة نشأت في عهود ما بعد الاستقلال، وإن كان الكثير منها وليداً في العصور الاستعمارية، لكن اتضح خلال السنوات المنصرمة أن المشكلة الحقيقية التي عطلت التنمية هي الإدارة الاقتصادية الناتجة من التخبط السياسي والفكري في بلدان متخلفة حضارياً وثقافياً، وحتى التطبيقات الاقتصادية، سواء كانت معتمدة على التخطيط الموجه أو معتمدة على فلسفة الاقتصاد الحر هي بعيدة عن الأسس العلمية للفكرين الاشتراكي والرأسمالي. فمثلاً حدث تطرف في التطبيق الاشتراكي في العديد من البلدان النامية، وجرى تأميم منشآت صغيرة ومملوكة لأفراد، وهي ليست ذات أهمية في الناتج المحلي الإجمالي في بلدانها، ولا يمكن أن توفر تطويراً للملكية الجماعية أو العامة في مجتمعاتها، وكذلك شرعت أنظمة الحكم قوانين الإصلاح الزراعي، التي هدفت إلى عدالة توزيع الملكية في الأرياف. ومن سوء الحظ أن الملكيات قسمت إلى حيازات زراعية صغيرة لا يمكن أن تكون ذات جدوى اقتصادية، ولذلك تراجعت وتيرة الإنتاج في العديد من البلدان.

لقد جاءت قوانين الإصلاح الزراعي لمعالجة النتائج الاجتماعية والسياسية للملكيات الإقطاعية المستبدة، ولكنها لم تعالج النتائج الاقتصادية، أو على الأقل لم تضع تصورات واضحة، لما قد يترتب على تقسيم الأراضي الزراعية إلى قطع صغيرة، كذلك لم تعالج قوانين الإصلاح الزراعي مسألة الإدارة الفلاحية بشكل مناسب، وجعلت الملايين من الفلاحين الفقراء في ظل رحمة القدر، وتعنّت السلطات الإدارية التي تفتقر للعلم والمعرفة في الإدارة الاقتصادية.

ولا شك أن هناك العديد من النتائج الاقتصادية والسياسية التي ترتبت على قوانين الإصلاح الزراعي، منها هجرة الملايين من سكان الريف إلى المدن بحثاً عن الرزق، أو اعتماد الآلاف من العائلات الريفية على الريع المحول لهم من أبنائهم من الذين هاجروا إلى بلدان أخرى خارج حدود بلدانهم. ولم يعد للزراعة دور مهم في توفير الموارد الاقتصادية لسكان الريف. وبذلك فقد أصبح القطاع الزراعي هامشياً في العديد من الدول النامية التي أخذت تعتمد على مصادر خارجية لتوفير الغذاء لسكانها.

وتؤكد هذه الحقائق وغيرها أن سياسات التنمية كانت نتاج تفكير سياسي، ولم تراع تطوير الإمكانات الاقتصادية في البلدان النامية، وكذلك لم تسع الإدارات السياسية لدفع عجلة النمو ورفع إنتاجية البشر، بقدر ما حاولت إرضاءهم بصورة مؤقتة، وإن لم تستطع استخدمت عصا البطش. لقد أدت هذه السياسات العشوائية إلى تهميش المبادرات الخاصة، ولم تحفز الأفراد على الإبداع والخلق، وجعلتهم أسرى للإمكانات المالية للدولة.

هناك قضية أخرى كانت من أهم المعوقات لتحسين ظروف المعيشة وكفاءة الحياة في الدول النامية، هي مسألة النمو السكاني السريع دون مراعاة للقدرات الاقتصادية. ولم تؤخذ بالحسبان أن معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي تقل عنها بكثير. إن كل ذلك خلق وضعاً أصبح لازماً معه اتباع سياسات تعمل للحد من هذه المعدلات وتسارعها، وليس المطلوب اتباع النموذج الصيني القسري أو عمليات التعقيم التي اتبعت في الهند خلال السبعينيات من القرن الماضي، ولكن يجب زيادة الوعي وتحفيز المرأة للعمل حتى لا تكون أداة تفريخ فقط لا دور آخر لها.

يتضح إذاً أن التنمية في الدول النامية تتطلب الكثير من المجهود الفكري لصياغتها بما يتناسب مع متطلبات العصر الراهن وما آلت إليه أوضاع الدول المعنية خلال السنوات الماضية، هناك حاجة لإعادة النظر في القيم السياسية والاجتماعية التي قدمت خلال العقود الماضية، وهناك ضرورة لانتهاج سياسات جديدة تتوافق مع الإمكانيات الفعلية في كل بلد، ومع المعطيات الواقعية التي تمكن من إنجاز خطط وبرامج التطور. وفي الوقت ذاته لابد أن تعترف القيادات السياسية وإداراتها الاقتصادية بأنها لا يمكن أن تحقق التنمية دون التعاون مع بقية دول العالم، سواء من خلال التجارة أو المساعدات الاقتصادية غير المشروطة، أو الحصول على التمويل المناسب.

تمت قراءته 139 مرات