العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

المركزية واللامركزية والإصلاحات المنشودة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 الإدارة علم قائم بحدّ ذاته، ويعتمد على قواعد ومبادئ، والأجدى اعتبارها فناً يعتمد على المزايا التي يمتلكها المدير، مهما كان مستوى إدارته. وهنا لابد من التفريق بين المدير المتبع للأنظمة والقوانين بحذافيرها، والقائد المبتكر المبدع متخذ القرارات في اللحظة المناسبة ومتبنيها لحل مشاكل ظاهرة بلحظات مفاجئة. وتعد المركزية واللامركزية من أهم القضايا الإدارية المختلف عليها والواجبة التغيير حسب الظروف المحيطة الكلية أو الجزئية. فالتنظيم الإداري يعتمد على أساليب فنية تتمثل في النظام المركزي واللامركزية بهدف توزيع النشاط الإداري بين مختلف الأجهزة الإدارية التابعة للدولة في النشاطات الكلية أو الجزئية، بين مركزية تتبنى تركيز السلطة، ولا مركزية تتبنى توزيع السلطات وإعطاء حرية القرارات. وبالتالي فإن مصطلحَي المركزية واللامركزية يعبران عن مدى تفويض السلطة للمستويات الإدارية الأقل. وتعرّف المركزية بأنها حصر المهام والمسؤوليات والوظائف في مستوى واحد سواء على مستوى الدولة (مثل رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو البرلمان أو المحكمة العليا للدولة أو المجلس الأعلى للقضاء، ومن ثم باقي المستويات التنفيذية)، أو المستويات الإدارية التي يتألف منها البلد المعني.

وهناك صورتان للمركزية الإدارية، وهما التركيز الإداري وعدم التركيز الإداري، فحسب الصورة الأولى: تتركز السلطة الإدارية جميعها في يد الوزراء في العاصمة، فيشرف الوزراء من العاصمة على جميع المرافق العامة وطنية أو محلية، أي لا يكون هناك مجال لعمل المجالس البلدية أو الإقليمية للإشراف على المرافق المحلية، ويتركز أمر البت والتقرير النهائي في جميع شؤون الوظيفة الإدارية في يد الحكومة المركزية، فلهم سلطة إصدار القرارات النهائية أو تعديلها أو إلغائها، كما يجري احتكار سلطة التعيين في الوظائف العامة.

الصورة الثانية: يخول إلى موظفي الوزارة في العاصمة أو في المحافظات سواء بمفردهم أو في شكل لجان، أمر البت في بعض الأمور دون الرجوع إلى الوزير.

التنظيمية.

للمركزية مزايا عديدة منها:

أ- إن الأخذ بالإدارة المركزية يؤدي إلى الوحدة الإدارية في الدولة، مما يسمح بتثبيت سلطات الحكومة المركزية. وهنا الأمر يعود لتاريخية الدولة ومستوى تطورها وتقدمها وسويات التنمية المختلفة بها ومدى المخاطر التي تواجهها الدولة وحجم الضغوط الخارجية.

ب- توحيد الإدارة وتناسقها تبعاَ لتوحيد أساليب النشاط الإداري وأنماطه في مختلف مرافق الدولة، كما يؤدي مع طول التجربة إلى استقرار الإجراءات ووضوحها، ويصل إلى تحقيق سرعة في انجاز الأعمال الإدارية.

ج- الإدارة المركزية غالباً هي الأسلوب الإداري الوحيد الذي يلائم المرافق العامة الوطنية التي تهدف إلى أداء الخدمات على نطاق واسع ولجميع أفراد الشعب بالشروط نفسها وبصورة منظمة.

د- إن الأخذ بأسلوب الإدارة المركزية يساعد على انتقاء رجال الإدارة بطريقة التعيين، وبذلك تتمكن السلطة من انتقاء الرجال الأكفاء ذوي الخبرة القانونية والإدارية، وكذلك تساعد على وحدة القرار ودقة النظام والعدالة في توزيع المزايا والفوائد على كل الشعب.

ولكن ليست المركزية ثابت مستمر لا يمكن الاستغناء عنها، فهي تحوي عيوباً إن اختيرت بشكل دائم دون الأخذ بالمتغيرات المحيطة، ومن عيوبها بأنها:

أ- لا تشجع على الابتكار وروح المبادرة. فنظامها يتصف بالجمود من حيث صعوبة الأخذ بالاقتراحات وإحداث التغييرات التي تصطدم بالبيروقراطية.

ب- تضييع وقت ثمين للبلد بحيث تؤدي لانشغال القياديين في السلطة المركزية بأمور ثانوية على حساب المواضيع الحيوية والرئيسية.

ج- تحول المركزية دون اتخاذ قرارات ملائمة لطبيعة وظروف الأقاليم والمحافظات مما يؤدي إلى فشل التنظيم في تحقيق أهدافه.

د- البطء في إنجاز المعاملات، نتيجة للروتين الإداري والتعقيد بسبب كثرة الرئاسات المتعددة في الإدارة المركزية، وكذلك تكرس أساليب تفقد المواطنين حقهم بإبداء الرأي ببعض القضايا، وبالتالي تكرس الأسلوب غير الديمقراطي، وكذلك تبطئ اتخاذ القرار وتنفيذه، ولا تأخذ بالحسبان مراعاة ظروف كل منطقة.

وهكذا فالأجدى في أوقات وظروف معينة اللجوء إلى اللامركزية في الإدارة والتي هي:

عبارة عن توزيع المهام والوظائف لمستويات إدارية مختلفة وعدم حصرها بسوية واحدة عليا، وكذلك بالنسبة لموضوع الإدارة على مستوى البلد بحيث توزع على كامل البلد المعني وعدم حصرها بالمركز (مثلاً توزيع الصلاحيات للمحافظين أو لمديرين فرعيين أو تشكيل مجالس وهيئات كما هي بالإدارة المحلية للمحافظات أو المناطق وصولاً إلى البلديات الصغيرة. وإن فشلت تجارب كهذه بسبب الاختيارات فذلك لا يعني أن السوء في الفكرة، ورفض التجربة، وهو ما عانيناه منذ سنوات لأفكار مضيئة راقية تقوض بالاختيارات عبر التعيينات أو طرق توصيل الأفراد. وهكذا فإن المجلس المنتخب يشكل قاعدة مهمة لتطبيق اللامركزية، ومكان مشاركة المواطنين في تسيير الشؤون العمومية.

وهكذا يمكننا التفريق بين المركزية السياسية، وفيها تتوزع مظاهر السيادة بين الحكومة المركزية، والمحافظات، فيكون هناك سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية مركزية، تمارس اختصاصـاتها على كل أرجاء محافظات الدولـة، ويقوم بجوارها سلطـة تشريعية وتنفيذية وقضائية في المحافظات.

 أما اللاّمركزية الإدارية:

فيقصد بها توزيع الوظائف الإدارية بين الحكومة المركزية في العاصمة، والهيئات المحلية المنتخبة، بحيث تكون هذه الهيئات في ممارستها لوظيفتها الإدارية تحت إشراف الحكومة المركزية ورقابتها، ولا تكون خاضعة لها خضوعاً رئاسياً.

ولذلك غالباً ما يقترن موضوع اللامركزية الإدارية بنظرية الإدارة المحلية وبنظام المؤسسات العامة. ويتضح من هذا التعريف أن اللامركزية الإدارية تقوم على توزيع الاختصاصات الإدارية بين الحكومة المركزية والهيئات المحلية، أي خلق عدد من الأشخاص الإدارية العامة بجانب الدولة تتخصص في إدارتها مجالس تتكون في مجموعها من أعضاء منتخبين بواسطة الشعب على مستوى البلدية والولاية.

ونخلص مما تقدم أن للاَّمركزية الإدارية جانبين، جانب سياسي وجانب قانوني. فالجانب القانوني يتمثل في توزيع الوظيفة الإدارية للدولة، أما الجانب السياسي فيتمثل فيما تقوم عليه اللامركزية الإدارية من توسيع لمفهوم الديمقراطية، فتنتقل سلطة التقرير النهائي من الدولة إلى هيئات محلية منتخبة من طرف الشعب لتحمل مسؤوليتها في الإدارة.

وهكذا فإن تطبيق اللامركزية يحقق مزايا جيدة في حال توفر ظروف تطبيقها:

- فهي تؤدي إلى قرارات أسرع وأكثر ملاءمة وفاعلية للاستجابة، وينجم عنها الأمور التالية:

أ- التحسن في تطوير الأداء.

ب- زيادة معنويات المديرين لأداء مهامهم.

ج- توسيع نطاق الوظائف بمختلف الأجهزة.

ويمكن إضافة:

أ- تقريب الإدارة من المواطنين.

ب- اشتراك الشعب في السلطة.

ج- أسلوب حضاري وديمقراطي.

د- الاهتمام بمشاكل الأفراد.

ه- سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه.

فاللامركزية من الممكن أن تكون مؤثرة وفاعلة عن طريق إعطاء المرؤوسين سلطات واسعة، بينما في الوقت نفسه تفرض الرقابة المركزية على أنشطة معينة تساعد على تأكيد نظام قابل للتطبيق وأكثر استجابة.

 وعموماً فإن مزايا اللامركزية تعتبر عيوب المركزية.

3- عيوب اللّامركزية:

أ- إن التمادي أو المبالغة في تطبيقها بشكل مطلق يمكن أن يؤدي إلى المساس بوحدة الدولة وقوّة الإدارة المركزية وسلطتها، عندما تعطى الأولوية للمصالح المحلية وتُؤثر على مصلحة الدولة، وهذا ما يؤدي إلى زرع النزعة الجهوية وخلق الفرقة في البلد الواحد.

ب- تتكون الهيئات الإقليمية من مجالس منتخبة، منها ما ينجح بفعل تأثير الدعاية الحزبية، دون وجود برنامج تسيير ناجح، مما يؤدي إلى ضعف مردودية الجهاز الإداري بسبب عدم الدراية بأساليب العمل الإداري وقواعده.

ج- انتشار البيروقراطية والمحسوبية.

د- تؤدي إلى انتشار الإدارات الجهوية.

.ه- تعدد القرارات وعدم استقرار البلاد.

توفر طرق الرقابة المناسبة على أداء الجهاز التنظيمي المفوَض إليه السلطة.

 وبعيداً عن أنماط اللامركزية فإن اللامركزية تظل مصحوبة إلى حد ما بدرجة من المركزية، الأمر الذي يجعل طبيعة الموضوع قابلة للجدل والنقاش.

وهكذا فاللامركزية صيغة أو تطبيقاً أكثر ديناميكية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة المطبق فيها وظروفها، أكثر من كونها نظرية جدلية تتحول إلى تطبيق جدلي يعتمد على التجربة والخطأ في كثير من الأحيان أكثر من اعتماده على النظرية.

لذلك يظهر دائماً عدم وجود نظريات محددة لشرح ماهية اللامركزية، إلا أن بداية انطلاق التنظير من أجل اللامركزية كانت في خمسينيات القرن الماضي، فقد تطورت في كتابات أصحاب نظرية الاقتصاد ما بعد الكلاسيكي. لكن مع بداية السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تحولت اللامركزية إلى استراتيجية عامة في مجال التنمية الإدارية، وتتعلق تعلقاً رئيسياً بالشكل السياسي للحكم. وفي الأوقات الأخيرة حاولت قوى السيطرة تدويل المصطلح، وهو ما أفرز الخوف منه، وزاد على تفويض السلطة ونقلها: الخصخصة، لتكون من دعائم تطبيقها، ودُوِّل مثلما دوّلت مصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان كحقٍّ يراد به باطل، وأدوات للتدخلات المدمرة في بنية البلدان، وهو ما سمعناه تضليلياً للوصول إلى صيغ تقسيمية وتفتيتية.

 ومن المؤكد أن ظروف البلدان هي الميزان لاستخدام أي الصيغتين، ولكن إلباس اللامركزية لبوساً لتمرير مشاريع مبطنة نهايتها التجزئة والتقسيم يلقي معارضة كبيرة، وتصبح المعايير التي كانت موجودة لتفعيلها أشد وأقوى.

إن فشل تجارب اللامركزية ومنها الإدارة المحلية بسبب إيصال أدوات فاسدة وفاشلة لا يعني فشل المصطلح ولكن تفريغه، وأي إصلاح من ناحية إيصال كوادر مهنية وطنية نزيهة يعيد للتجربة ألقها ويقوض النوايا السوداء لأبواق الغير الهادف لاستمرار الاستنزاف والابتزاز والاستهلاك.

تمت قراءته 297 مرات
د. سنان علي ديب

عضو جمعية العلوم الاقتصادية