العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

ثورة أكتوبر وضرورة الاستفادة من التجربة التاريخية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 في السابع من تشرين الثاني من هذا العام، تحل الذكرى السنوية المئة على انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، التي لم يسبق في التاريخ أن جرى الجدل حول ثورة مثلها، سواء داخل روسيا أو على النطاق العالمي.

البعض هاجمها بشدة، واعتبرها قَطعاً للمجرى الطبيعي للتطور التاريخي، والبعض الآخر دافع عنها دفاعاً مطلقاً، معتبراً إياها تحولاً جذرياً وانعطافاً ثورياً عالمياً كانت له آثاره الكبرى على العالم، كما أحدثت الثورة الفرنسية من قبل مثل هذا الانعطاف. ولكن، على الرغم من كل هذه الآراء التي قيلت بحق هذه الثورة، فإنها سواء حصل الاعتراف بأهميتها أم لم يحصل، فقد لعبت دوراً تاريخياً عظيماً تجلت أبعاده وتجلياته في أثرها الكبير الذي أدى إلى:

أولاً- انهيار المنظومة الكولونيالية التي كانت تسيطر على العالم وتحقيق الاستقلال الوطني للمستعمرات السابقة.

ثانياً- إعطاء الثورة زخماً عظيماً لنضال كادحي العالم من أجل العدالة، وقيام الأحزاب والحركات العمالية في معظم أنحاء العالم المطالبة بحقوق الكادحين.

ثالثاً- فضح جميع المعاهدات والصفقات السرية التي كانت تحوكها الدول الاستعمارية، والموجهة ضد شعوب العالم وبلدانه.

رابعاً- فضح أسباب الحروب الإمبريالية، وتعزيز وتقوية الحركات الجماهيرية المناهضة لها في جميع أنحاء المعمورة.

خامساً- إجبارها للأنظمة الرأسمالية على أن تحني الرأس بعض الشيء، وأن تقوم بتأثير ثورة أكتوبر، بتحسين شروط العمل للكادحين.

سادساً- نهوض جبار في حياة روسيا، ثم فيما بعد الاتحاد السوفييتي، فقد هبّ كادحو هذه البلاد لبناء هذا الوطن العظيم، يحفزهم الأمل ببناء الاشتراكية، دولة العدالة والحرية، رغم كل التهديم والخراب الذي حلّ به، نتيجة الحرب الأهلية، وتدخل الدول الإمبريالية للقضاء عليه في مهده. وغير ذلك من النتائج.

إذاً، لقد كانت هذه الثورة حدثاً تاريخياً عظيماً، عبّر عن طموح الشعب الروسي إلى تحقيق العدالة، والكرامة الإنسانية.

إن إنكار هذا الأمر يجافي الموضوعية، ويخالف المجرى العام للتطور التاريخي الذي جرى بعد نجاحها.

بيد أن السؤال الذي يطرح الآن، والذي لا يزال يشغل تفكير الكثير من الباحثين: ما هي الأسباب الحقيقية لانهيار هذه التجربة التاريخية الكبيرة، الذي كان له أيضاً، مثلما كان لانتصارها، تأثير عالمي هائل، ونتائج كارثية، لا يمكن حصرها ببعض كلمات.

لقد أرجع الكثير من الباحثين الجادين، في سعيهم لدراسة أسباب هذا الانهيار، إلى أن الظروف اللازمة لنجاح ثورة اشتراكية في روسيا القيصرية لم تكن متوفرة.

فالاقتصاد مهدم، وعلاقات الإنتاج الإقطاعية في الريف كانت لا تزال قائمة على الرغم من إلغاء القنانة، والاستغلال الوحشي للطبقة العاملة الروسية الناشئة شديداً، والاضطهاد القومي الذي كانت تمارسه القيصرية على الشعوب المستعمرة من قبلها صارخاً. كان الشعب يريد السلم، والأرض، والخبز، والحرية، وقد فهم لينين كل ذلك، وصاغ شعارات الحزب التي تناسب المرحلة، كل ذلك وضع حزب البلاشفة في السلطة.

إلا أن التطور الذي جرى بعد ذلك، كان شديد التعقيد، وجرى التراجع عن الكثير من الخطوات التي اتخذت في بداية الثورة، فظهرت سياسة النيب التي صاغها لينين، بيد أن هذه السياسة لم تعط نتائجها المرجوة، لأنها لم تستمر طويلاً.

ومع ذلك بقيت المهمة المطروحة أمام البلاد، هي إعادة البناء الاقتصادي، وكان هذا الأمر يقتضي تحشيد جهود شعوب الاتحاد السوفييتي لتحقيق هذه المهمة.

لقد ساعد على ذلك التحشيد، في ظل عدم توفر الرساميل اللازمة لإعادة البناء، والحصار المطبق على البلاد من قبل الدول الإمبريالية، سيطرة الدولة اللاحق على كل مرافق الحياة من جهة، والحماس الثوري الذي كانت تملكه فئات واسعة من الشعب الكادح، تحلم بالعدالة والمساواة والمستقبل الأفضل.

ونتيجة لذلك استطاع الشعب إعادة بناء الاقتصاد ليصل إلى مستوى ما كان عليه في عام 1913 خلال مدة لا تتجاوز الـ10 سنوات، وكان للمثقفين والمبدعين الروس الذين تكونوا تاريخياً أثناء الحكم القيصري دور هام في هذه العملية الجبارة التي كانت تجري في البلاد، ولقد رسموا طريقاً مستقلاً له سماته الخاصة في مجال تطور التكنولوجيا الروسية.

بيد أن التطور اللاحق الذي جرى بعد ذلك، تركّز في المجال الاقتصادي على بناء الصناعة الثقيلة، وصناعة الأسلحة، وكانت المبررات منطقية لأن البلاد كانت تتعرض باستمرار للأخطار والمؤامرات، وكان الدفاع عنها يتطلب مثل تلك السياسة الاقتصادية، رغم الخرق الوقتي للقوانين الاقتصادية.

إلا أن الاستمرار في هذه السياسة الاقتصادية، وخصوصاً عند أصبحت البلاد تمتلك قاعدة للانتقال إلى مرحلة جديدة، تهتم بتطوير الصناعات الأخرى المرتبطة بتلبية حاجات الناس المتنامية، قد أدى وخلق وضعاً غير متوازن في الاقتصاد السوفييتي، وإلى تطور اقتصادي وحيد الجانب كان له انعكاسات واسعة لاحقاً على وضع البلاد السياسي وأثره الضار على مجمل البنية الاقتصادية والاجتماعية فيها.

من المعروف بالنسبة للاقتصاديين أن تعميم المكننة قد أدى تاريخياً إلى التخلي عن عمل أعداد غفيرة من العمال في ظل سيطرة الرأسمال، وأن المنافسة على الأسواق كانت تدفع بالرأسماليين إلى الركض باستمرار وراء التكنيك الأكثر تطوراً من أجل الربح، وكان هذا الأمر يدفع باستمرار إلى إلقاء أعداد كبيرة إلى الشارع.

فماذا جرى في الاتحاد السوفييتي؟ لقد أصبح النظام السوفييتي أسير الشعارات التي رفعها، كالقضاء على البطالة، وتأمين العمل للجميع، وبناء الاشتراكية، وتحقيق العدالة الاجتماعية له.

كان على النظام السوفييتي أن يعمل على تضخيم أعداد العاملين في المصانع والمزارع، لأجل خدمة شعار التشغيل الشامل للشعب. لم تكن لديه الإمكانية، في حال التماشي مع ضرورات تطوير تكنولوجيا الإنتاج (باستثناء القطاع المرتبط بالمجمع الصناعي العسكري) التي كانت تجري في البلدان الرأسمالية، أن يستمر على سياسة الاستيعاب الكامل لليد العاملة.

كان يحدث كل ذلك على حساب إنتاجية العمل، وكانت تحصل باستمرار إعادة توزيع الدخل القومي، على أعداد متزايدة، وكان ذلك يؤدي إلى ضرب الحوافز الإنتاجية وإلى البطالة المقنّعة، وارتفاع كلف الإنتاج، وإعاقة تطوير القوى المنتجة.

لقد نشأ تناقض جدي كان يصعب على النظام حله، فمن جهة كانت هناك الشعارات التي أطلقها، وأصبحت تتحكم به، ومن جهة أخرى كانت هناك ضرورة لتطوير القوى المنتجة التي تقتضي إبطال تحكم هذه الشعارات، والتعامل مع الاقتصاد انطلاقاً من قوانينه.

لم يكن باستطاعة النظام حل هذا التناقض الذي تفاقم فيما بعد وأدى، إضافة إلى أسباب أخرى، إلى نضج أزمة عميقة، سياسية واقتصادية واجتماعية في قلب المجتمع السوفييتي، تم استثمارها بصورة قذرة من الدول الإمبريالية، وتفاعلت عميقاً مع العوامل الداخلية، ولعبت دوراً أساسياً في انهيار هذه التجربة التي شكلت على مدى أكثر من نصف قرن حلماً لجميع كادحي العالم.

وبمقدار ما كان هذا الانهيار كبيراً ومدوياً، وله تأثير عالمي، بمقدار ما كانت الدروس التي قدمها لجميع شعوب العالم كبيرة وعظيمة أيضاً.

وهي لا تزال تحتاج إلى دراسة وتعميق وتعميم.. إنها ضرورية جداً، خصوصاً بالنسبة للبلدان التي اتخذت من التجربة السوفييتية نموذجاً لها.

ورغم صعوبة الأمر، إلا أنه يمكن ملامسة بعض هذه الدروس ربما كان أبرزها:

أن التطور الاقتصادي الاجتماعي أي في بلد من البلدان قوانينه الخاصة، وأن عدم مراعاتها سيؤدي إلى عواقب ضارة بالنسبة لتطورها.

إن خرق مراحل التطور التاريخية لا يمكن، وإن التحولات الجذرية، لا تتحقق إلا إذا كانت الظروف الداخلية ناضجة تماماً لهذا التحول. وهي لا تتحقق بصورة إرادية.

القوانين الاقتصادية لها محتوى تاريخي، ولا يمكن إبطال مفعولها، إلا إذا انتفت مبررات وجودها.

إن تجميد مفعول قانون القيمة في الاتحاد السوفييتي في ظل استمرار التبادل البضاعي، أدى إلى فقدان المعايير التي يتم من خلالها هذا التبادل، وفقدان المنتج لمصلحته في عملية الإنتاج سواء في الريف او المدينة. وإلى نشوء بيروقراطية متحكمة في العمليات الاقتصادية، أصبحت عائقاً أمام تطور القوى المنتجة ومسيطرة ومتحكمة بكل مجالات الحياة في الاتحاد السوفييتي، ولها امتيازات واسعة ولم تعد لها مصلحة في تحقيق الديمقراطية الاشتراكية، وهو الأمر الذي أدى إلى تباعد الحزب عن قاعدته، وإلى إجهاض المؤسسات التي نشأت بعد الثورة مباشرة، كالسوفييتات والنقابات وغيرها من المؤسسات، والتي شكلت في البداية الأدوات الحقوقية لسلطة الطبقة العاملة، وأفرغت من محتواها، وإلى الفساد، وتغريب الطبقة العاملة والكادحين عموماً، وعزلة الحزب، وإلى إعلام هدفه لا الدفاع عن مصالح الكادحين، وإنما عن النظام، والكثير غيرها.

إن هذا التطور الذي جرى في البلاد، إذاً، عرّض للخطر الجدي جميع المنجزات التي تبناها الشعب، وأفقد هذه التجربة جاذبيتها ولمعانها، وشوهها أمام أنظار شعوب العالم.

ومع ذلك، ورغم سقوط هذه التجربة، وانهيارها، فإنها ستبقى محطة عظيمة من محطات نضال الكادحين عبر التاريخ من أجل مستقبل مشرق ومزدهر للعالم أجمع.

تمت قراءته 102 مرات