العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

أولويات الاستثمار في مرحلة إعادة الأعمار

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 تسعى الدول جاهدة نحو جذب أكبر عدد من الاستثمارات الخارجية، وتوظيف الأموال والمدخرات الداخلية، في خططها التنموية قصيرة وطويلة ومتوسطة الأجل لما لهذا المؤشر الاقتصادي، من أهمية قصوى في تحسين مجمل المؤشرات الاقتصادية الأخرى، كخفض معدل البطالة وزيادة الناتج المحلي، وتحسين مستوى الدخل وزيادة إيرادات الخزينة العامة للدولة، وتعديل الميزان التجاري لمصلحة الداخل، بل أصبح الاستثمار هو العمود الفقري للتخطيط الاقتصادي، بحيث تخصص الدولة كل مجهودها وطاقاتها لزيادة معدل الاستثمار وتقدم في سبيل ذلك الكثير من التسهيلات القانونية والمالية والإدارية للمستثمرين، أملاً في فتح شهيتهم واستثمار أكبر كمية من أموالهم في شتى المجالات الاقتصادية.

لكن هل الاستثمار عملية عشوائية تقتصر على مجرد توظيف الأموال وفتح المشاريع؟ وهل كل أنواع الاستثمار تتساوى في الفائدة والمردود الاقتصادي؟ وهل تلعب خصوصية كل دولة دوراً في تحديد أنواع الاستثمار المناسب لها مكانياً وزمانياً؟

في الحقيقة يعتبر الاستثمار بشقيه الداخلي والخارجي سلاحاً ذو حدين، له مضار بقدر ما له منافع، وقد ينقلب في بعض الأحيان وبالاً على الاقتصاد المحلي إذا كان غير مناسب، وقد يكون في أحيان أخرى حيادي المفعول لا سلباً ولا ايجاباً.

انطلاقاً من كون الاستثمار عملية، يجب أن تكون مخططة ومدروسة بعناية في الظروف العادية، فإن هذه العملية يجب أن تحظى بقدر أكبر من الاهتمام والعناية في حالة الأزمة، وما بعد الأزمة، لأن الاستثمار في هذه الحالة لا يشمل هدف التنمية فقط، بل يستهدف بشكل رئيسي إعادة البناء الاقتصادي بعد سنوات من الإنهاك على مستوى الحكومة والمواطنين، وهو بذلك أيضاً يأخذ أبعاداً اجتماعية وإنسانية لا تقل أهمية عن البعد الاقتصادي والمادي.

إذاً ما هي أولويات الاستثمار في سورية ما بعد الازمة؟

عملية تحديد الأولويات تأخذ أهميتها من ضرورة تقصي أكبر فائدة من الاستثمارات المقبلة من الخارج، والاستثمارات المحلية للقطاعين العام والخاص، ولا ضير في هذه العملية من الاستنارة ببعض التجارب العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل والخصوصية المحلية للمجتمع السوري والدولة السورية.

وهنا نطرح رؤيتنا من خلال بعض الأفكار التي يمكن أن تشكل مساهمة نظرية في عملية التخطيط الاقتصادي لسورية في الفترة المقبلة، وتشكل عوناً متواضعا للمعنيين في عملية التخطيط واتخاذ القرار الاقتصادي من خلال تسليط الضوء على النقاط التالية:

- الاستثمار في البنى التحتية والخدمات العامة (الماء - الكهرباء ومصادر الطاقة - وسائل الاتصال - الطرقات ووسائل المواصلات- المصارف والخدمات المالية) وهذا النوع من الاستثمار يجب أن يصنف في رأس قائمة الاولويات لأن البنى التحتية هي الأساس وقاعدة الإمداد اللوجستي لمختلف أوجه النشاط الاقتصادي المختلفة (الصناعة - الزراعة -السياحة - الخدمات) وهي عامل حاسم في عملية إعادة تدوير عجلة الإنتاج وانطلاقتها بالسرعة القصوى، فلا اقتصاد قوياً دون بنى تحتية ولوجستية كافية وكفؤة في الوقت نفسه.

وهذا ما ركزت عليه الحكومة الألمانية في عملية إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً لجهة رفع معنويات المواطن الألماني وتحسين مستوى معيشته والحفاظ على كرامته، من خلال العناية بالخدمات المقدمة له، خصوصاً أن الإنسان هو أهم عامل في أي نشاط اقتصادي، ويتوقف نجاح عملية إعادة البناء الاقتصادي على نجاح عملية إعادة بناء الانسان.

- الاستثمار في مجال الإنتاج غير المادي على سبيل المثال (الإعلام - الإنتاج الدرامي والتلفزيوني والدبلجة - السياحة - المعلوماتية والبرمجة الحاسوبية - البحوث والاستشارات في شتى المجالات - التجارة الالكترونية والوساطة) وهذا النوع من الاستثمارات مفيد جداً في ظروف الحرب والحصار الاقتصادي، لأنه يستهدف سلعاً يمكن تصديرها بسهولة ولا تقف عند معابر وحدود ولا تطولها رقابة العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي، وهي ذات مردود عالٍ وتتمتع سورية بمزايا نسبية ممتازة في هذا النوع من الإنتاج.

- الاستثمار في قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية (صناعة المواد الأولية - المعادن ووسائل الإنتاج - التكنولوجيا والتجهيزات الإلكترونية والكهربائية)، وهذا النوع من الإنتاج يخفف من ضغط الاستيراد من ناحية، ويعطي جدوى كبيرة لعملية التصدير ويسرعها من ناحية أخرى، فضلاً عن المردودية العالية لمثل هذه الصناعات على الدولة والمواطن، وتوظيف الخريجين، واليد العاملة المؤهلة، واستعادة ما خسره المجتمع السوري من عقول وكفاءات، لتعود لممارسة دورها الفاعل وواجبها في عملية إعادة البناء.

وأخيراً لا بد من القول إن سورية ستكون من الدول المستقطبة للاستثمارات الخارجية وبيئة نشطة للاستثمارات المحلية في مرحلة إعادة الإعمار، الأمر الذي يعطينا الفرصة لإعادة البناء الاقتصادي على أسس متينة، فيما إذا استخدمنا التخطيط الجيد وحددنا خياراتنا بدقة واستثمرنا كافة طاقات وعقول أبناء الوطن في نهضته.

تمت قراءته 78 مرات