العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

جيف بيزوس: عن الرأسمالية الاحتكارية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
«ليس من السّهل أن تعمل هنا»

التحذير الذي يوجهه بيزوس، خلال مقابلات التوظيف التي يجريها، لمن يتقدّم للعمل في «أمازون»

حتّى الثمانينيات كانت أكبر الشركات الأميركية حجماً هي، تقليدياً، من نمط «جنرال الكتريك» و«جنرال موتورز» و«فورد»، وشركات النفط والصناعات الكيميائية مثل «ديبونت». ثم دخلت الى اللائحة، في التسعينيات وما بعد، شركات الخدمات والبيع بالتجزئة والتكنولوجيا والمصارف، مثل «وولمارت» و«مايكروسوفت» وغيرهما.

أما اليوم، فإنّ قمّة البورصة الأميركية يهيمن عليها عمالقة كـ«آبل» و«غوغل» («الفابت») و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«فايسبوك» (هذه الشركات، بالترتيب المذكور، هي اليوم أكبر خمس شركات في العالم بحسب القيمة السوقية). ما يميّز هذه المؤسسات هو أنّ كلّاً منها يملك أكثر من مليار زبونٍ حول العالم، ويحتكر قطاعاً كاملاً (برامج تشغيل الكمبيوتر، محركات البحث على الشبكة، وسائط «التواصل الاجتماعي»، البيع على الانترنت، الخ)، ويمتلك قدرات تجارية وسياسية لم تتوفّر لشركاتٍ خاصة في الدنيا منذ أكثر من قرن.

جيف بيزوس، مدير شركة «أمازون» وأكبر مساهميها، هو اليوم ثاني أثرى رجلٍ في العالم، بفارق قليلٍ عن بيل غايتس، ولو ارتفع سعر أسهم شركته قليلاً ــــ وهو ما قد يحصل في الأشهر المقبلة ــــ فسيصبح هو حامل اللقب (بيزوس يمتلك حوالي 17% من أسهم «أمازون»). ولو كانت علامة بيزوس التجارية لم تخترق بلادنا وتؤثّر في حياتنا (بعد)، فإنّ المستهلكين في اميركا الشمالية وأجزاء كبيرة من اوروبا وآسيا يفهمون سرّ قيمة «أمازون»: أكثر ما يجري شراؤه عبر الانترنت في اميركا يتمّ على «أمازون»؛ أكثر من ثلث النموّ في كامل قطاع البيع في أميركا (على الانترنت وفي المتاجر) استحوذت عليه، السنة الماضية، «أمازون». يوجد أكثر من 90 مليون مشترك حالياً في برنامج «أمازون برايم»، حيث تدفع 99 دولاراً مقابل شحنٍ مجّانيّ سريع لكلّ ما تشتريه طوال السّنة، اضافة الى خدمة تلفزيون وبرامج على طريقة «نيتفليكس»، وخدمة تخزين على «غيمة أمازون» ــــ فتحصل الشركة عليك زبوناً في عدّة قطاعاتٍ في آنٍ واحد.

بيزوس يتصدّر الأخبار هذه الأيّام بعدما قامت شركته بشراء سلسلة متاجر «هولفودز» (المعروفة ببيع الخضار العضوية والتي تستهدف جمهوراً مرتفع الدخل) مقابل أكثر من 13 مليار دولار، موضحاً نيّة «أمازون» الخروج من الفضاء الالكترونيّ ومزاحمة المتاجر التقليدية الأميركية على سوق بقالةٍ تبلغ قيمته أكثر من 800 مليار دولار في السّنة. أكثر من مطبوعةٍ أميركية، بينها «هافينغتون بوست» و«اتلانتيك مونثلي»، نشرت تقارير تحذّر من أنّ توسّع «أمازون» في كلّ هذه القطاعات قد يمثّل ضرباً من الاحتكار: أنت لا تملك بديلاً حقيقياً للشراء على الانترنت غير «أمازون»، وهي تزوّدك ايضاً بالبرامج والاعلام والتسلية، ثمّ تذهب الى المتجر لتكتشف أنّ الأسعار تختلف فيما لو كنت مشتركاً في «أمازون» أو غير مشترك، فيصبح لزاماً عليك أن تدخل «عالم أمازون» وتعتمد عليه في كلّ شيء.

عن الاحتكار

مفهوم «الاحتكار»، بالمعنى القانوني، يختلف جذرياً عن «الاحتكار» كمفهومٍ في الاقتصاد السياسي (في القانون الأميركي، مثلاً، لا يتمّ النظر الى حالةٍ على انها احتكار ــــ منذ السبعينيات ــــ الّا لو أدّت الى رفع الأسعار وليس خفضها). عند الماركسيين، بدأت الرأسمالية الاحتكاريّة ما أن خرجت الصناعة من نطاق وحدات انتاجٍ صغيرةٍ ومتناثرة، وبدأ تركيز الانتاج في معامل وشركاتٍ ضخمة في أوائل القرن التاسع عشر. حين أصبحت المنافسة تقوم على حجمك وقدرتك على دخول السّوق والتحكم بالأسعار وجمع الرساميل، وأصبحت تحتاج الى دعايةٍ وشبكات توزيعٍ وتزويد، دخلت الرأسمالية في العصر الاحتكاري، وأصبحت فكرة «المنافسة الكاملة والحرة» ــــ كما نظّر لها آباء الاقتصاد الكلاسيكي ــــ أسطورةً تشبه فكرة «المجتمع الطبيعي» لدى روسو.

لو أنّ هذا الشّكل من المنافسة المثالية موجودٌ، ومن الممكن لأيّ كان أن يستبدل «فايسبوك» مثلاً، لما كانت العلاقات الدولية كما هي اليوم، ولما كانت الدول تخوض الحروب وتفعل المستحيل للحفاظ على امتيازات شركاتها واحتكاراتها، لأنّ المنافسة الحرّة المفتوحة لا يفترض أن تؤثّر عليها السياسة، سلباً أو ايجاباً، والتاجر في بوركينا فاسو يفترض أن يكون قادراً على منافسة التاجر في اميركا. ولأنّ الشركات الكبرى في اميركا اليوم، بمصالحها المتشعّبة، قد بدأت تشابه التجمّعات الكبرى في أوائل القرن العشرين (في عزّ عصر الاحتكارات)، فإنّ قادة هذه الشركات، ايضاً، بدأوا باكتساب صفات الرأسمالي القديم، وبيزوس مثال.

على طريقة روكفلر وفورد وديبونت، بيزوس لا يكتفي بنشاطه التجاري، بل يعرف أنّ عليه أن يستحوذ على وسائل إعلامية (اشترى «واشنطن بوست» منذ سنوات، وهو يسعى لجعلها أكبر الصحف الأميركية أمام «نيويورك تايمز»)، وأن يدخل عالم السياسة وتمويل القضايا والمرشحين، ويتوسّع في مجالاتٍ عديدة ــــ بيزوس يستثمر، مثلاً، في شركةٍ مهمّة تصنع الصواريخ وتطلق الأقمار الصناعية، وحين دخلت «أمازون» في مجال الانتاج التلفزيوني، استخدمت مواردها الهائلة لاستثمار مليارات الدولارات سنوياً لانتاج برامجها الخاصّة، وهي ميزانية لا تقدر على ملاقاتها أي قناة تلفزيون في العالم أو حتى «نيتفليكس». العداء بين بيزوس ودونالد ترامب قصّة معروفة، والعديد من الديمقراطيين يراهنون على جهود بيزوس و«واشنطن بوست» (رأس الحربة في الهجوم على الرئيس منذ انتخابه) لتقصير ولاية ترامب أو طرده من منصبه.

ولأنّ بيزوس جاء في عصر تركيز الاحتكارات، وعمله قائمٌ على مسح المنافسة والهيمنة في كلّ قطاعٍ يدخله (شركات البيع بالتجزئة مثل «وولمارت» و«أمازون» لا «تخلق» شيئاً جديداً أو انتاجاً واستهلاكاً، بل تستبدل ببساطة الكثير من المتاجر الصغيرة، وترمز الى تركّز التجارة في أيدي شركاتٍ قليلة)، فهو يطبّق نظريته «الداروينية» في الأعمال على شركته. في «أمازون» يتمّ تصنيف العمّال ــــ بغض النظر عن رتبتهم ــــ بشكلٍ مستمرّ حسب أدائهم، وفي كلّ سنة هناك عملية «تطهير»، حيث يُطرد العشرة بالمئة الذين يضعهم التقييم في «القعر»، أو يوضعون في برامج مكثّفة لتحسين الأداء، أو الطّرد.

الفكرة قد تبدو عقلانية من وجهة نظر مالكٍ رأسماليّ، ولكن تخيّل أن تكون في عملٍ تشعر فيه باستمرار أنّك قد تصبح الأضحية القادمة، أو تحتاج ــــ على الدّوام ــــ لأن تضمن أنّ هناك حفنةً من الزملاء أقلّ كفاءة منك، حتّى تسترخي وتشعر بالأمان (الشركة ايضاً تشجّع الموظّفين على الوشاية بزملائهم ورؤسائهم، وتؤمّن نظاماً سريّاً لهذه الغاية، حتى تضمن أن يكون جو العمل سامّاً وتنافسياً). فلسفة بيزوس الأساسية، التي شرحها في «مانيفستو» يرسله في كل عامٍ الى المساهمين، هي أنّ المؤسسات كلّها تمرّ بـ«ثلاثة أيّام»: اليوم الأوّل هو مرحلة الصعود والنمو والحماس، اليوم الثاني هو الركود، واليوم الثالث هو «عملية بطيئة ومؤلمة من الانحدار» تنتهي بالموت. يمكن للشركات أن تظلّ في «اليوم الثاني» على مدى عقود، يقول بيزوس، ولكن هدفه هو أن يتجنّب هذا الأمر، وهو يكون بجعل الشركة تعيش، على الدّوام، نمط يومها الأوّل (على الهامش: حين قابل كاتب سيرةٍ عن بيزوس والده الحقيقي ــــ بيزوس متبنّى من جهة الأب ويستخدم اسم والده بالتبني ــــ اكتشف أن الرجل لا يعرف من هو جيف بيزوس، وأنه ابنه، وأنّه ملياردير، ولم يقم رجل الأعمال بأي محاولة للتواصل معه).

التكنولوجيا والاستهلاك

سعر سهم «أمازون» مرتفعٌ بشكلٍ غير منطقيّ نسبة الى أرباحها («أمازون» تعمل بهامش أرباحٍ ضئيلٍ للغاية، يقلّ عن 1.5% من أعمالها في أفضل السنوات)، ومن غير المنطقي أن ترتفع أسهم الشركة بعد أن تدفع 13 مليار دولار للإستحواذ على «هولفودز». الشركات تخسر من قيمتها، عادةً، حين تنفق من احتياطها ويضعف وضعها المالي، ولكن العكس هو ما جرى ــــ حتّى أنّ «أمازون» قد حصلت، نظرياً، على «هولفودز» مجاناً، لأنّ أسهمها ارتفعت بنفس قيمة الصفقة تقريباً. التفسير الوحيد لذلك، تقول «هافينغتون بوست»، هو الاحتكار. المستثمرون يفهمون ما لا يلحظه القانون، وهو أنّ «أمازون» قد سيطرت على سوق البيع في العالم الغربي، ولا أحد يقدر على منافستها أو استبدالها، والمستقبل هو للبيع «اونلاين». كما شرحنا في مقالٍ سابق، فإنّ امتياز «أمازون» الحقيقي هو في «البنية التحتية» المادّيّة التي بنتها على مدى سنوات: شبكة هائلة من المستودعات ومراكز الفرز والتوزيع، وبرامج كمبيوترية معقدة تدير العملية وتعقلنها، وأساطيل من الطائرات والشاحنات، وهذه لن يقدر أحدٌ على استنساخها. في مدينةٍ مثل لندن مثلاً، أصبحت «أمازون» قادرة على توصيل آلاف السلع اليك خلال أقلّ من ساعة من تسجيل الطلب على الموقع الالكتروني.

المفارقة هنا هي أنّ الانترنت، التي انطلقت مع وعودٍ مثالية بالحريّة والانفتاح وتوزّع مراكز القرار، قد تحوّلت الى أداةٍ لبناء احتكاراتٍ كونيّة. من عاصر الانترنت منذ بداياتها يفهم الفرق بين «الفترة المفتوحة» تلك وبين عصر الاحتكارات في العشرية الأخيرة. كان كلّ شيءٍ على الانترنت يتغيّر كلّ سنتين: تظهر برامج جديدة، وسائل تواصل مبتكرة، عادات محدثة لنشر الأخبار والنقاشات، وعددٌ هائل من المواقع والمبرمجين والمبدعين يرفدون هذا السّيل. لم يكن أحدٌ يتخيّل أن يعمّر برنامجٌ كـ«فايسبوك» كلّ هذه السنوات من دون أن يستبدل. أمّا في السنوات العشر الأخيرة، فلم يعد التقدّم التكنولوجي يفتح آفاقاً جديدة بالمعنى ذاته، بل دخلت الانترنت في «يومها الثاني» ــــ الرّكود. أكثر السّلع الجديدة التي راجت في السنوات الأخيرة (كالهواتف الذكية) تمثّل وسائل تسويقٍ وليس تقدماً تكنولوجياً حقيقياً، يغيّر حياتك ويسمح لك بفعل أمورٍ لم تكن قادراً عليها (لا يفعل هاتفك الذكي شيئاً لا يقدر الحاسوب على فعله بشكلٍ أفضل، وأكثرنا لا يعمل في «وول ستريت» ولا يمكنه الادّعاء بأنّ الهاتف المحشو بالفايسبوك والألعاب «ضروري» لعمله).

في الحقيقة، ومقابل العلامات التجارية الكبرى التي هيمنت على الانترنت، فإنّ أفضل ما في الشبكة العنكبوتية ما تزال الأمور غير القانونية، والتي لا تقف خلفها شركات: برامج التبادل التي تسمح للجموع بسرقة الأفلام ومنتجات السينما والموسيقى، مشروع library genesisالأوكراني، وأمثاله، وهو وضع أكثر الكتب في العالم في متناول كلّ النّاس مجّاناً ــــ وتحديداً الأغلبية على كوكبنا التي لا تملك بطاقات اعتماد ولا تشترك في «أمازون». هذه أمورٌ «ثورية» بالمعنى الحقيقي، فحتّى سنواتٍ قليلة كنت مجبراً، مثلاً، على اختيار مكان سكنٍ قريبٍ من مكتبة جامعية كبرى (وفي الغرب حصراً) حتّى تظلّ على تواصلٍ مع الأدبيات العالمية، والّا تجد نفسك معزولاً (الّا إن كنت ممن لا يمانع الذهاب الى المكتبة البيروتية، وأن «توصي» على كتاب وتطلب شحنه اليك، كأننا في القرن التاسع عشر، ثم تنتظر أسبوعاً لكي يصل من خلف المحيط، وتدفع ثمناً مرتفعاً مقابله). هذه الكتب كلّها، بلغاتٍ مختلفة، أصبحت اليوم متوافرة من أيّ مكان ولكلّ من يقدر على القراءة، وهناك الملايين مثلي ممن لم يدفعوا ثمن كتابٍ بالانكليزية منذ سنوات. المفارقة الثانية في عصر احتكار الانترنت هي أنّك تجد من يدعو الى الدّين، ومن يدعو الى الشيوعية، ومن يدعو الى الثورة، والى معاداة التكنولوجيا والغرب، يفعل ذلك كلّه على «فايسبوك»، ويلتزم بقواعده والإطار الذي وضعه له؛ و«فايسبوك» لا يراه، أيّا كان، الّا كرقمٍ على مصفوفةٍ ينتج له عائداً إعلانياً معيّناً، والكلام هواء.

تمت قراءته 180 مرات