العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

إطلاق شارة بدء الإصلاح الإداري كمنطلق لإعلان الخلاص السوري

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 كان لبرنامج التطوير الإداري الذي أعلن في20 حزيران 2017 صدى كبير جداً لم يترافق سابقاً مع طرح البرنامج نفسه مرتين: الأولى في خطاب القسم، والثانية في بداية الأزمة.

كانت المرة الأولى في ظل بيئة وكوادر غير قادرة على السير به، وبُنى غير متوافقة، وأدوات معرقلة للمثالية المطروحة.
 وفي المرة الثانية كان عبارة عن حل وسطي لعدم السير بمشاريع الدم والدمار، ولكن ما كان مخططاً له إقليمياً ودولياً فاق تصور الأغلبية، وحتى القوى الرافضة ظنّت أن هدف الغرب وأدواته الإقليمية إيصالهم إلى السلطة متذرّعين بما يسمى دسّ السم في الطعام، فالديمقراطية وحقوق الإنسان كانت ذلك المزمار الذي يسعون من عزفه التدخل بشؤون البلاد والعباد واستمرارية التبعية وتدمير التنمية التي وصلت إليها البلاد وجرها إلى قاطرة الاستعمار الجديد عبر مديونية استعبادية وابتزاز دائم واستنزاف قاتل.
وما يهمنا الآن أن الإعلان الأخير جاء بتوقيت مختلف وفي ظروف، وطريقة فرض، ونَفَس وجدّية مختلفة، فقد جاء الإعلان في وقت تحولت المؤسسة العسكرية من منفعلة إلى فاعلة ومسيطرة على اغلب المناطق بعد حرب طاحنة مع قوى إقليمية أفاضت بالمال والسلاح وكل أشكال الدعم لمرتزقة جيء بهم من كل أصقاع الأرض ليركبوا الحراك التي تعاملت مع طلباته الحكومة بجدية،
وحاولت تطبيق أغلبه قبل التسليح واللعب المذهبي، وكان هذا بتخطيط غربي مافيوي لم يكن أي سوري حقيقي يعتقد بما يحاك للسوريين وحرف مطالبهم وحراكهم واستنزاف دمائهم، والهدف تحويل سورية إلى دولة فاشلة، وترافق هذا بحصار وعقوبات اقتصادية وسلب ونهب وصل إلى حدود 300 مليار دولار انعكس سلباً على الأداء الاقتصادي،
 ولكنه لم ينل من عزيمة الشرفاء وصبرهم، فظلوا داعمين للبلاد وللمؤسسة العسكرية الضامن الوحيد لوحدتها، وبالتالي قبل التغلغل بتفاصيل مشروع الإصلاح كان طرح بعض القصص عن ما يسمى التشبيح وتجاوز القوانين والفوضى من قبل بعض المتنفذين وأولادهم وبعض المسؤولين رسالة وضوء اخضر للتصدي لكل أشكال الفوضى التي استغلها تجار الأزمة والفاسدون،
وكل أشكال مخالفة القوانين والهدر والترف عبر طرح موضوع المواكب الكبيرة التي لا هدف منها سوى إعاقة السير وتبيان جو من عدم الأمن والاستقرار والفوضى وصولاً إلى بعض المرضى من اولاد الذوات وأصحاب الرساميل، ومن ثم الانطلاق نحو شرح البرنامج في مجلس الوزراء في توقيت أكمل به المجلس مدة عام.
إن طرح هذا البرنامج في هذا التوقيت هو دليل الجدية وسد الذرائع وإعطاء ضوء أخضر من أعلى سلطة في البلاد للضرب بيد من حديد كل من يخالف القوانين أو يتاجر بالبلاد وبدم الشهداء.
 وكذلك فإن اختيار مكان السلطة التنفيذية هو دليل الإيمان بفصل السلطات، وبأنهم هم الإدارة التنفيذية للسير قدماً بهذا البرنامج، وأنهم مسؤولون أمام الوطن وأعلى سلطاته لتطبيق هذه البرامج إضافة إلى السير تلازماً بالإصلاحات الأخرى الموازية.
 والآن نغوص بما طرح والذي كان طرح المتابع، القارئ، العارف، الخبير والمشخص تشخيصاً ملمّاً بكل تفاصيل المرض، والذي جاء بالعلاج المناسب منتظراً الممرضين إعطاءه بالتوقيت المناسب.
 قلنا متكامل لأنه شامل لكل مفاصل الإدارة وتفاصيلها، بدءاً من الهياكل التنظيمية إلى القوانين وشفافيتها وتطابقها مع أنظمة داخلية يجب إعادة دراستها لتسهيل العمل ولوضع التوصيفات الدقيقة لجذب الكفاءات القادرة وتعيينها للسير بالمؤسسة المعنية بما يحقق أهدافها بالتوقيت والجودة المناسبين وبما يرضي المواطن أو الزبون،
وبما يحقق الرضا الوظيفي، وذلك مترافق مع بنك معلومات مستمر ومتجدد للموارد البشرية الموجودة والمطلوبة بالمواصفات اللازمة والمعرفة بالحاجات القادمة في الوقت المناسب وبالمواصفات المناسبة، وكذلك اللوجستيات للمؤسسات بما يخدم المواطنين والموظفين،
 وهذا مترافق مع متابعة وإشراف من قبل وزارة التنمية الإدارية التي وظيفتها المتابعة والإشراف لأمور تتصدى كل مؤسسة لما يناسبها وفق جدول زمني يتابع ويحاسب المنفذين من خلاله عبر وزارة التنمية الإدارية عبر مركز القياس والدعم الإداري الذي من مهامه قياس التوصيف الوظيفي.
وكان التساؤل:

هل لدينا توصيف وظيفي؟ إذا كان هناك توصيف وظيفي فهل هو متناسب مع هذا الشاغر؟ هذا الشاغر يحتاج إلى موظف بهذه المواصفات بهذا التأهيل بهذه الخبرة، هل هذا متوفر؟ هذا أيضاً بحاجة إلى قياس، وكذلك التدريب والتأهيل فهل هناك تدريب وتأهيل للعاملين بمختلف المستويات، الموظف، القيادات الإدارية؟
هل نوعية التأهيل مناسبة لكل هذه المعايير؟ كذلك قياس الإجراءات، هل الإجراءات بسيطة؟ والإجراءات ليس بالضرورة إجراءات المواطن مع المؤسسة، وإنما الإجراءات داخل المؤسسة وبين المؤسسات، هل هذه الإجراءات مؤتمتة؟ واضحة؟ هل نعرف أين تبدأ الإجراءات وأين تنتهي؟ كل هذه الأمور بحاجة إلى قياس.
وكذلك من مهام هذا المركز أيضاً قياس مكافحة الفساد، هل هناك مكافحة للفساد؟ هل هناك تعامل مع الشكاوى المتعلقة بالفساد؟ هل هناك سرعة في الاستجابة لهذه الشكاوى؟ كل هذا الأمور أيضاً جزء من هذه المنظومة الشاملة.
وكذلك كان التساؤل ما هي المعايير الأساسية لفكرة القياس؟ كيف نحول هذه المعايير إلى إنتاج من خلال مركز يسمى (مركز القياس والدعم الإداري)، لماذا سمي يقيس ويدعم ولم يقل مركز التطوير الإداري؟ لأن عملية التطوير الإداري ليست عملية تقوم بها وزارة التنمية الإدارية والمشروع هو ليس مشروعها، المشروع هو مشروع الحكومة وهو مشروع وطني، وعملية التطوير بكل الأحوال لا يمكن لوزارة أن يكون لها القدرة الكاملة على التصدي لمشروع كهذا فلديها جزء من الواجب تجاه هذه العملية،
 هو عمل مشترك، هو يدعم البنى الإدارية الموجودة في المؤسسات، لذلك فالاعتماد على البنى الإدارية الموجودة في الوزارات، ولذلك لا بد لكل مؤسسة ووزارة ان تفهم صلاحياتها، ففهم الصلاحيات مهم، ففي واقع بلدنا الحالي الأمور الشخصانية دائماً تطغى في أي عمل،
 وكذلك تطرق المشروع إلى تشكيل بنية جديدة هي مرصد الأداء الإداري، وهي بنية إلكترونية ستقارن النتائج التي ستوضع من قبل المركز مع الأداء، في مرحلة الإنجاز ولاحقاً في مرحلة نضج المشروع، وهي تحول هذه المعايير إلى نقاط، هذه النقاط هي نقاط التقييم، وطبعاً المعايير الموجودة كثيرة جداً وستعرض عليكم لاحقاً، هي التي تسمح لنا في نهاية التقييم أن نقيم أولاً كل مؤسسة، والأهم من ذلك أن نميز ما بين مؤسسة وأخرى من خلال هذه العلامات،
إضافة إلى الآليات التي يعمل بها المركز من خلال التواصل المباشر ونقل المعطيات والرصد المباشر مع المؤسسات في الحكومة، هناك آليات أخرى تتعلق بالسبر،
سبر آراء المواطنين والموظفين من خلال استمارات تقدم للمواطن وللموظف، وفي الوقت نفسه جرى تأسيس موقع على الإنترنت بهدف أخذ مقترحات من المواطنين وفق رقم وطني يعرف من هذا الشخص وكل المعلومات التفصيلية عنه، يساهم من خلالها المواطن في تقييم مؤسسة ما أو يقدم شكوى عن حالة خلل معينة في مؤسسة،
أو يقدم مقترحات للتطوير، وبالتالي يشارك المواطن والموظف في هذه العملية وتصبح العملية شاملة أكثر من أن تكون مجرد عملية مرتبطة بالوزراء أو بمؤسسات موجودة في تلك الوزارات.

وكذلك هناك آلية إلكترونية هي مركز خدمة الكوادر البشرية، مهمته وضع خارطة الموارد البشرية، وفق المؤهلات والكفاءات والصفات، والمهمة الثانية هي وضع خارطة الشواغر، وربط خارطة الموارد البشرية مع خارطة الشواغر من خلال التوصيف الوظيفي،
 وعندما تريد الحكومة أن تخطط لسياسة توظيف يكون لديها معطيات واضحة، وتصبح سياسة التوظيف منهجية وليست ارتجالية كما هي القاعدة العامة الموجودة لدينا في سورية، لكن هذه النقطة تحتاج أن يكون سجل العاملين أيضاً موجوداً لدى هذا المركز.

ومن الخدمات الأخرى التي يقدمها المركز هي التدريب، ولكن التدريب بالمعنى الإلكتروني وليس بمعنى أن يكون لديه مركز تأهيل ويأتي الموظف إلى هذا المركز، ففي المؤسسات حواسيب موجودة وأغلب الناس أصبح لديها الهواتف الحديثة أو الهواتف الذكية، وأصبح من الممكن تقديم هذه الخدمات التدريبية بشكل إلكتروني على شكل فيديوهات أو على شكل برامج تفاعلية، تطبيقات تفاعلية أصبحت الآن موجودة
، أو يمكن إيجاد هذه البرامج على الهواتف وخلق حالة من التدريب المستمر بالنسبة للكوادر الموجودة، يضاف إليها أن يكون هذا المركز هو المكان الذي تقدم إليه الخدمات من الموظفين أيضاً بشكل إلكتروني.

 ومن الملاحظ أن المطلوب من هذا المشروع أن يكون مشروعاً ببنية رشيقة وليس كما هي حالتنا في الدولة دائماً بنى ثقيلة وبنى بطيئة الحركة تعتمد على العدد الكبير من الموظفين والمصاريف المختلفة، هنا بنى رشيقة أغلبها إلكتروني فعالة وهذا ما يجهز بيئة العمل اللازمة بالسير قدماً بتقديم الخدمات وتحقيق الأهداف بالتوقيت والجودة المطلوبة والعمل على استخدام التقنيات والتكنولوجيا المتقدمة من خلال الأتمتة واستخدام تكنولوجيا المعلومات بما يخفف الروتين ويوفر الوقت على المواطن ويوفر الوقت والجهد على الموظفين،
 كذلك استخدام هذه التقنيات ووسائل التواصل كمرصد للأداء عبر تلقي الشكاوي والتقييمات المستمرة من المواطنين أو حتى من الموظفين بما يعطي المقياس لتطور المؤسسات من حيث جودة الخدمة والسرعة بالتوقيت المناسب.
منهجية واحدة متوازنة لكل الوزارات، ومن خلال ما وجدنا كان هناك تقبل كبير من أغلب الأطراف فالمطروح برنامج وطني بعيد عن أي تخندقات حاول البعض تقسيم المجتمع السوري من خلالها، وكل من يؤمن بالوطن
وبالإصلاح يبحث عن البرامج التي توصل البلد للخلاص وللانطلاق.
وأكيد هذا البرنامج لا يطول المجال الإداري، فلابد أن يترافق بإصلاحات مترافقة وبصلاحيات للمتابعة والمراقبة والمحاسبة، وهنا يأتي إعطاء الصلاحيات والدور لضبط النظام عبر تطبيق القانون بمختلف السبل وصولاً إلى سيطرة النظام بقوة القانون،
وهذا لا يتحقق إلا من خلال المؤسسات النظامية القادرة على ضبط الكثير من حالات الفوضى التي استغلها تجار الأزمة والدم لفرض أمر واقع بانتهازية مفرطة مستغلين انشغال المؤسسات في التصدي للحرب الكارثية وما نجم عنها من انعكاسات.
 وكذلك لابد من إصلاح اقتصادي عبر برنامج مرحلي يراعي في كل مرحلة ظرف البلد وإمكاناته الاقتصادية ويستغل كل الجهود والإمكانات الوطنية لكل القطاعات للاستثمار الأمثل للموارد بما يعيد التنمية إلى مسارها الصحيح ويحسن معيشة المواطنين.
 وهنا لابد من التذكير بالسياسة المالية والنقدية بما يخص سعر الصرف والضرائب والرسوم المرتفعة بما ينعكس على الأسعار وخاصة أسعار الوقود الرافعة الحقيقية لكل الأسعار وموجات الغلاء، وكذلك هنا لابد من إعطاء السلطة الرابعة دورها الفاعل وأن يطولها جزء من عملية الإصلاح
لتجاوز الترهل الحاصل وقصور أدوارها بما يحتاجه البلد في ظل الظروف القاسية والحاجة الماسة للإعلام لسد الثغرات الكثيرة التي تعاني منها المؤسسات، وليكون سلطة رقابة مستمرة مشخصة للأمراض ورادعة للارتكابات، وتلازم مساري الإصلاح الوطني وتقويض الفساد والفوضى التي صنعها تجار الأزمة واستغلال البعض لظروف فرضت على البلد تأطير بعض الخارجين عن القانون،
 وتجاوز البعض لما كلفوا به إلى أنواع جديدة من الفساد والتأزيم في ظل ظروف لا تستطيع المؤسسات محاسبتهم بحسب أولويات الأمن الوطني والخطورة على الاستقرار واستقلال البلد، ولكن الإشارة المنبثقة عن خطاب رئيس الجمهورية كانت أكبر من مشروع تطوير إداري، وإنما برنامج إصلاحي وطني بكافة الأصعدة،
 فقد تكلمنا سابقاً عن دور المؤسسات المحتاج لقرارات عليا معطية للصلاحيات، وكانت إشارة البدء في مجلس الوزراء من خلال ما طرح وما نوقش، وبالتالي يجب تكريس كل الجهود والإمكانات للاستفادة القصوى مما طرح بشكل شفاف وعلني وجريء كعنوان عام لا حصانة لأي كان،
والقانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأن المسؤول وضع لتحقيق أهداف همها خدمة المواطن وتحقيق الرفاهية والرفاه له، ويجب سد الفجوات والثغرات الكبيرة بين المواطنين والمسؤولين الذين انحرفوا عما وجدوا من أجله، وهذا وقت كل القوى الوطنية الحقيقية بمعزل عن أي تخندقات وأي شخصنات للعمل على نجاح هذا المشروع بالتعاون مع شرفاء الوطن وقواه الوطنية والضرب بيد من حديد لدواعش الداخل،
ويجب أن يترافق كل هذا مع السعي لمؤتمر سوري سوري جامع يقرر ما يريده الشعب السوري ويعطي رسالة بقدرتنا على صنع مستقبلنا بأنفسنا، ويقوض جهود الانتهازيين للاستقواء بأي دولة غير سورية وتحت حماية أي كان،
فبعد مسيرة المصالحات والمسامحات التي أعطت ثقة بالنوايا الصادقة لدور الدولة الأم المنتصرة التي لا تبوق بأولادها جاء دور إحقاق الحق والقانون ومكافأة من وقف مع الوطن ومعاقبة من تاجر بالدم السوري الطاهر.

تمت قراءته 204 مرات
د. سنان علي ديب

عضو جمعية العلوم الاقتصادية