العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

التشاركية ودورها الفعل في الانطلاقة الاقتصادية الفعالة والتعددية البناءة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

أقام فرع اللاذقية لجمعية العلوم الاقتصادية ندوته الثانية ضمن ملتقى الثلاثاء التفاعلي الثامن بعنوان (التشاركية ودورها الفعل في الانطلاقة الاقتصادية الفعالة والتعددية البناءة).

وبعد الوقوف دقيقة صمت إجلالاً للدم السوري الطاهر المقدس، بدأ الدكتور سنان علي ديب رئيس الجمعية الندوة مشيراً إلى أن موضوع التشاركية كان مثار جدل كبير قبل الأزمة بين فريقين، الأول يريد تطبيق مقررات مؤتمر واشنطن المتجسدة في وصفات البنك الدولي وصندوقه، ولو على طريقة الصدمة، مهما كانت نتائجها، والثاني ينظر إلى أهمية تفعيل دور القطاع الخاص ومشاركته في التنمية وإنما بفاعلية تزيد الطاقات الانتاجية وتحقق مزيداً من النمو والتنمية، وليست تشاركية محاباة على حساب القطاع العام وبُناه المستطاع إصلاحه لو وجدت النوايا والإرادة. وكان موضوع محطة الحاويات في طرطوس واللاذقية ومعمل أسمنت طرطوس أساس هذا الجدال والخلاف، فما نفذ في هذه القطاعات لم تكن تشاركية وإنما محاباة البعض بأسلوب توفير ربح جاهز وعدم التقيد بالعقود، وعدم زيادة الطاقات الإنتاجية، وإنما منح قطاعات منتجة ذات مدخول وجاهزة للاستثمار المتزايد في حال القيام بإصلاحات قليلة. ولم يقف طموح المستفيدين عند هذا الحد وإنما تجاوزه للتفكير بقطاعات أخرى، ومنها ما قد ينعكس على حياة المواطن ويزيد من عبء تكاليف الحياة كالكهرباء والمياه، وكذلك محاولة تعطيل إصلاح القطاع العام لتحقيق الاحتكار وتكديس الأموال.

 وبعد الأزمة المأساوية والدمار الذي نجم عنها بتكاليف تقدر بحوالي 300 مليار دولار، ودمار حوالي ثلث المساكن وآلاف المدارس ومئات المشافي والمستوصفات ونصف معامل القطاع العام ونصف محطات الصرف الصحي ومعظم السكك الحديدية ومئات الجسور، وبعد الحصار الاقتصادي والعقوبات الظالمة المفروضة على سورية، أصبح هناك ضرورة لتعاون الجميع لإعادة البناء والمشاركة في ترميم وإصلاح ما حملته لنا هذه الحرب الظالمة من الناحية الاقتصادية، وما نجم عنها من كوارث اجتماعية فاضت على ما كان موجوداً من عدم توازن التنمية، فنتائج الحرب تفرض تعاون الجميع القطاع العام والخاص ومدخرات المنظمات والهيئات والرساميل الوطنية داخلاً وخارجاً، ففي فترات عدم الأمن والاستقرار، من المؤكد أن الرأسمال الجبان لن يقترب ولن يستثمر، فكلنا يعرف أن الرأسمال جبان يبحث عن الاستقرار ويبقى الموضوع بيد من يحمل هماً وطنياً ويرى أن العمل واجب وغاية لعودة الاستقرار للعيش الآمن والسليم. والتشاركية سابقة لمرحلة ما قبل الأزمة بفترات وبقطاعات مختلفة، ومنها ما هو محلي ومنها ما هو مع شركات أجنبية، ولو أن أبعاد الشراكة مع غير السوريين قد يظهر له أبعاد غير مالية وقد تنعكس على أمن الوطن، فمنذ الخمسينيات كان هناك شراكة لإدارة المرفأ، وبعدها في السبعينيات كانت تشاركية مع شركات نفطية للتنقيب والاستثمار، وكذلك شراكة بالقطاع الزراعي والسياحي عن طريق الشراكة بالإدارة أو عقود محاصصة لفترات زمنية، وبالتالي هي ظاهرة قديمة ونجحت في قطاعات، ولولا الخلاف الجذري ما قبل الأزمة لما حصل شكوك وتخوف منها، ولكن ظروف الأزمة لا تعفي من شروط يجب توفرها للسير بالتشاركية بأنواعها المختلفة. فمن حيث الإدارة، عندما يكون هناك نقص تكنوقراطي بقطاعات معينة، أو من حيث مشاركة القطاع العام بأرض لإقامة منشآت لفترة محدودة ومن ثم تعود ملكيتها للدولة، ففي التشاركية لا يجوز أن تنتفي صفة ملكية الحكومة عن الأصول المشاركة بها، وإلا تحوّل الأمر إلى خصخصة، وكذلك في منح ترخيص لشركات لتنفيذ بنى تحتية لمدد طويلة ومن ثم يعود الريع للحكومة، وفي هذه الشراكات يجب أن لا يغبن أي من طرفي المشاركة: الحكومة بمن تمثله من الشعب أو الشريك الآخر بحيث لا تنعكس هذه الشراكة على الخدمات المقدمة للمواطن، كأن يتحكم الآخر بثمن الخدمة بما يفوق استطاعة المواطن، وكذلك بما لا يحقق خسارة أكيدة للشريك. وبالتالي فإن الخوض في هذا المضمار بحاجة إلى كفاءات مؤهلة ومدربة قادرة على وضع العقود المناسبة، ذات خبرة ودراية بدراسة أي مشروع من حيث جدواه الاقتصادية والفنية، وكذلك وجود كفاءات وخبرات قادرة على متابعة سير المشروع والمعرفة الكاملة بتفاصيل عمله ومردوده. وقد عانينا سابقاً من تشاركية وخاصة بالقطاع السياحي بأسعار زهيدة ولفترات مديدة تصل لـ99 سنة، وهو ما يعتبر تخسيراً لموارد الدولة وتربيحاً ومحاباة للبعض. وكذلك لا يمكن الخوض بعمق التجربة من دون وجود محاكم مختصة وسريعة بدراسة عقود التشاركية، وسريعة بأخذ القرارات في حال اللجوء للتخاصم القضائي.

أجمع الحضور على أهمية إصلاح القضاء ومواجهة الفساد للسير قدماً بموضوع الاستفادة من مختلف إمكانات السوريين وطاقاتهم. وكذلك لابد من إنشاء وحدة مركزية للشراكة بين العام والخاص، تكون مهمتها تطوير الإطار القانوني للتشاركية وتطوير السياسة الوطنية لها ضرورة ملحة للانطلاقة الصحيحة في إعادة البناء والانطلاقة الاقتصادية. وهنا لابد من التوضيح أن الأخذ بموضوع التشاركية كغاية قد يحرفها عن مسارها وعما نأمله منها في تكامل التعاون الاقتصادي بين كل شرائح المجتمع لتجاوز الانعكاسات الأزموية.

والانطلاقة الجديدة هي وسيلة وليست غاية، وهذا يجب أن يكون منظور الحكومة، وقد صرح البعض في ملتقيات بأن التشاركية حل لتزاحم المصالح بين الحكومة والقطاع الخاص، والقبول بالتشاركية من هذا المنظور غير مقبول سابقاً ولن يقبل لاحقاً، فالحكومة المنبثقة من أي شعب وتعمل بشكل مؤسساتي لا يقبل أن تدخل بهكذا صراع، لأن الإطار القانوني الوطني وسلطة القانون كفيلة بوضع حد لمن يريد مواجهة الدولة بغير حق، ولكن التعاون ضروري لضرورات الوطن وللاستثمار الأمثل للموارد طبقاً لحاجات البلد المدروس. وقد يرى تبريرات لأشكال من التشاركية غير المنطقية المحابية للبعض محمية بهذه التبريرات لا تعبر إلا عن ضعف أو تشاركية بين صاكّي العقود من نوع آخر على حساب الوطن. وكذلك لا بد من توفر الشفافية والعلنية وتكافؤ الفرص في طرح المشروعات ومنح الحوافز.

 في المحصلة إن مشاركة القطاع الخاص في إعادة بناء سورية وخاصة في إعادة بناء وتطوير بنيتها التحتية ومرافقها العامة وإعادة بناء مخزونها السكني وتجديد قدراتها الصناعية، في ظل ندرة موارد الدولة وتعاظم وتعدد مسؤولياتها بعد الأزمة، لم يعد خياراً أو قضية عقائدية، بل أصبح ضرورة وحاجة ملحة في مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية المستقبلية.

 فسورية بأمس الحاجة أولاً للبناء والتطوير وللتعويض عن الخسائر التي تحملتها خلال الأزمة، وهي ثانياً بحاجة إلى التنمية والتطوير والعودة إلى السعي للحاق بالركب الاقتصادي العالمي الذي كانت متأخرة عنه أصلاً قبل الأزمة. كذلك أجمع الحضور على الحاجة إلى تعزيز قدرات مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وتطوير القطاع المصرفي والمالي غير المصرفي، ليشمل مؤسسات التمويل الطويل الأجل ومؤسسات التمويل العقاري والتأجير التمويلي حتى يمكن تطبيق قانوني التشاركية. وأجمع الحضور على أنه ليست المشروعات الكبيرة فقط هي المطروحة للتشاركية، فهناك تشاركية قائمة بين مؤسسات خاصة وعامة لتبني الإبداع وتحقيقه على أرض الواقع. كما تحدث الحضور الممثل لهيئة المشروعات الضغيرة والمتوسطة، وبذلك يجب تشجيع التشاركية على اختلاف أنواعها المشروعات الصغيرة نسبياً والمتوسطة والمشروعات الكبيرة. واتفق الحضور أخيراً على أن اعتماد صيغة التشاركية لا يعني احتكار هذه الصيغة في إعادة بناء وتطوير البنى التحتية والمرافق العامة والمدن السكنية والصناعية السورية، فهناك عمل كبير في هذا المجال لكل من القطاعين منفردين وفي مختلف أنحاء البلاد، ولكن كلما تشارك القطاع الخاص مع العام في هذه المشروعات، خفّ العبء على موارد الدولة المالية والبشرية، وخفّت حاجة الدولة للاعتماد على المديونية الداخلية والخارجية. إن خيار التشاركية أصبح ضرورة ولكن هذا لا يعني أن تصبح العقود مخصصة لقلة، أو أن تعرض الدولة لاستلاب بأساليب مختلفة، أو أن تعمد بعض الجهات إلى التنفيذ بعيداً عن الشروط وتتلاعب على النواحي الفنية، أو أن تضطر الحكومة للتنازل بالمواصفات أو الشروط، فبدائل التشاركية متاحة وهي إحدى الأدوات وفي الظروف الصعبة قد يوجد بدائل مناسبة.

 ودعا الدكتور ديب إلى الندوة القادمة بعنوان (هندسة بناء الطبقة الوسطى).

تمت قراءته 137 مرات