العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

الزراعة المهملة حكومياً حمت الاقتصاد من الانهيار

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 تتجاهل الحكومة الزراعة، هذا القطاع الذي يدعم الاقتصاد، والرافعة التي حمته من السقوط المدوي. إذ لا حياة ولا مستقبل للبلاد دون الزراعة، التي يمكن تصنيفها بأنها قطاع الظل بامتياز. وما يثير الاستغراب، هو الركون الحكومي القاتل، تجاه هذا القطاع الحيوي، والذي يعد الأهم بالنسبة للاقتصاد الوطني. إذ تجاهلته الحكومات المتعاقبة، لأنه قليل الفساد، مقارنة مع التجارة. إلا أن الفلاحين ومع موجة التجاهل الحكومي المتتابعة، اتخذوا قرارهم بأنفسهم، تخلوا عن الزراعات الاستراتيجية، ولحقوا بقطار الزراعات المربحة. لم يعد لديهم المزيد من الصبر لتحمل التجاهل الحكومي، والخسارات المتتالية. حلت زراعة النباتات العطرية بدلاً من المحاصيل الاستراتيجية. هذا التحول المخيف في أنماط الانتاج الزراعي، سيلحق الضرر بالاقتصاد الوطني لجهة انعدام الأمن الغذائي، لكنه بالمقابل سيحقق الربح للفلاح.

يقدم المسؤولون الحكوميون وعوداً كبيرة للمزارعين، ويتجاهلون تنفيذها. يعجزون عن حل أكبر مشكلة عمرها عقود، وتتعلق بتسويق المنتجات الزراعية. الاستثناء الوحيد من هذا الموضوع كان القمح والشوندر السكري والقطن. حَكَمَ هذه المنتجات قرار سيادي واضح، يقضي بدعم منتجيها، عبر شراء المحاصيل، لاسيما الملتزمين بالخطط الزراعية. وفي اللحظة التي تغيرت فيها التوجهات نحو الليبرالية المتوحشة، انكشفت الزراعة، بدا أنها بلا غطاء، وبلا حماية حكومية تدعمها، وتعالج مشكلاتها. تقدم مجرد وعود خائبة، وخططاً ورقية تصلح لكل زمان ومكان. اتهم مزارعو القطن بأنهم بددوا الثروة المائية، ومزارعو الشوندر السكري بأنهم حصلوا على دعم بغير محله، ومزارعو الخضار كان من نصيبهم تهمة ضعف الإنتاجية. وتقاسم مزارعو الفواكه التهمة مع مزارعي الخضار، باعتمادهم على أنواع غير جيدة للتسويق. مزارعو الكرمة، الذين يسوقون محصولهم لصالح مصانع وزارة الصناعة، تفرض عليهم هذه الوزارة، سعراً يكاد لا يغطي التكلفة، والتسديد قد يطول لموسم قادم. بينما سهل الغاب، الذي من المفترض أن يكون خزاناً زراعياً بامتياز، حولته الخطط الحكومية، إلى سهل يعتمد على رحمة الحكومة. ولم يحصد مربو الأغنام أرباحاً عن عملهم، وكذا مربو الماشية.

هل يتجرأ وزير الزراعة ويخبرنا عن الجهة التي غررت بالمزارعين، وقدمت لهم غراس حمضيات تنتج ما هو غير مخصص للعصائر؟ أو من هي الجهة التي قدمت بذار البندورة التي منتجاتها مخصصة للمائدة فقط؟ بالعموم كل الإجراءات الحكومية، لا تشجع الفلاح، ولا تقدم محفزات تساعده عل زيادة الإنتاجية، وتطوير هذه المهنة الأقدم.

من الأسئلة التي لم تجب عليها الحكومات المتعاقبة: لماذا لم تتوجه أعين المستثمرين إلى القطاع الزراعي؟ قطاع رابح، وفيه قيمة مضافة، ويحقق الجدوى الاقتصادية. بمعنى أنه قطاع شهي للاستثمارات، إلا أن رجال الأعمال لم يلجوه. تتكشف الحقائق هنا، بأن كل الدعم الحكومي المزعوم للزراعة هو دعم وهمي، ورعاية غير حقيقية. فالقضية ليست إعفاء من الضرائب، أو من الرسوم الجمركية للمواد الأولية. ثمة خيط خفي، لا يدركه إلا المعنيون بالموضوع، إذ إن التوجهات العامة تحتم تجاهل الزراعة، وتركها تتخبط بمشكلاتها، وعدم البحث عن حلول لها.

ما يثير الاستهجان أن الحكومات المتعاقبة تعلم يقيناً أن الزراعة هي القطاع الوحيد الذي يمكن الرهان عليه، وهو الحصان الرابح، فلماذا تجاهلته؟ صوت المزارع الخافت، وغير المسموع معظم الأحايين، يقف خلفه جهة نقابية ضعيفة. اتحاد الفلاحين ليس مدافعاً شرساً عن مصالح المزارعين. يكتفي بتقديم المذكرات والمقترحات، التي تطالب الحكومات بتقديم الدعم، لم يقفز خارج الصندوق المغلق الذي رسمته تلك الحكومات له. لم يتطور أداؤه، ليكون جهة نقابية، لها قوتها، وحضورها الفاعل، على الساحة الزراعية. وفي بعض الأحايين، تكامل دوره ـ للأسف ـ مع الحكومات في تضييق الخناق على المزارع. هل تمكن اتحاد الفلاحين من حل مشكلة صعبة تواجه المزارع؟ لم يحدث ذلك، مجرد المحاولات لا يكفي، ورفع المقترحات غير فاعل، لابد من عمل أكثر منطقية. وهذا من مهام المكتب التنفيذي الجديد لاتحاد الفلاحين.

عاشت سورية عقوداً، تنعم بالأمن الغذائي، وحدث انزياح خطير، وجعلها من أوائل الدول التي توسم بحالة انعدام الأمن الغذائي، وفقدان عنصر قوتها الذي حافظت عليه. بسبب الحرب الطاحنة، تحول السوريون من حالة الاكتفاء، إلى حالة الوقوف مرغمين ومكرهين، منتظرين السلات الغذائية. لكن الحرب ليست وحدها المسؤولة، هناك أيضاً الحكومات التي لم تستطع إنجاز ما يطلب منها، وترك الزراعة مهملة.

من السهل تقديم مقترحات للحكومة، وجعلها تلفت نظرها إلى القطاع الذي يتصدر المساهمة بالناتج المحلي، وله الدور المطلق في تحقيق الأمن الغذائي، والمحافظة على الاقتصاد السوري، وحمايته من الانهيار. تعلم الحكومة أنه لولا الزراعة لانهار الاقتصاد الوطني، لكننا نتساءل لماذا تهمل القطاع الذي يحميها ويزيد من شعبيتها؟ القضية ليست رغيف خبز، إنما ثروة زراعية كاملة، بشقيها النباتي والحيواني، مهملة عن قصد.

تمت قراءته 826 مرات
ثامر قرقوط

صحفي سوري متخصص بالشؤون الاقتصادية