العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

نوبل الاقتصاد أو جائزة (الأسواق الحرة)؟

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

هذه السنة فاز الاقتصاديان بنغت هولمستروم، وأوليفر هارت، بجائزة نوبل للاقتصاد، وذلك لعملهما في تطوير (نظرية العقود).

للوهلة الأولى، فإن الموضوع لا يبدو أنه مهم لدرجة ليستدعي جائزة بهذه الأهمية، وهذا في الكثير من الأحيان حال جوائز نوبل للاقتصاد، إذا ما قورنت بجوائز نوبل في العلوم الأخرى. لهذا الأمر أسباب عديدة، ولكن ما يهمنا هنا هو البعد السياسي أو الإيديولوجي في منح هذه الجوائز لعلم الاقتصاد، التي بدأت عام 1969 بمبادرة من المصرف المركزي السويدي، ولهذا فإن الاسم الرسمي للجائزة هو (جائزة المصرف الوطني السويدي في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفرد نوبل). يقول الاقتصادي أفنر أوفر، من جامعة أوكسفورد في كتاب صدر أخيراً، إن جائزة نوبل في الاقتصاد أنشأها المصرف السويدي من أجل الترويج للأسواق الحرة، وضد الاشتراكية الديمقراطية، التي كانت في أوج صعودها آنذاك، كمجموعة أفكار وسياسات تدعم تدخل الدولة في الاقتصاد على نحو كبير.

يعود أصل (نظرية العقود) إلى النقاش الذي حصل في الثلاثينيات بين الاقتصادي الماركسي البولوني أوسكار لانجه، والاقتصادي النمساوي المتطرف فريدريك هايك حول (اشتراكية السوق)، وما عُرف أيضاً بنقاشات الحسابات الاشتراكية. وكان النقاش قد حُسم في ذلك الوقت لمصلحة الماركسيين، إذ ساد الانطباع لدى الأكثرية أن موقف لانجه كان الصحيح من حيث مقدرة (السوق الاشتراكية) على أن تحاكي وتتفوق على السوق الراسمالية، بتحقيقها لأهداف التوزيع للموارد وللرفاه الاجتماعي الذي تدّعيه الرأسمالية لنفسها في نظريتها. واستطاع بذلك لانجه أن يقارع المنظّرين الرأسماليين في عقر دارهم وباستعمال الأدوات النظرية نفسها.

لاحقاً، وعلى عدة موجات، أضيفت إلى النقاش على نحو غير مباشر أمور مثل (كيف يؤثر وجود تعارض في المصالح بين شخصين أو مجموعتين في الوصول إلى الأهداف الاقتصادية؟)، التي للبعض هي أمور تتفاقم ضمن الاشتراكية من حيث وجود هذه الأنواع من التعارضات من دون وجود ميكانيزمات لحلّها، أو أن حلّها يتطلب إعادة ميكانيزمات أو مؤسسات رأسمالية. في إحدى أوراقه برهن (رياضياً) بنغت هولمستروم أن العمال الذين يعملون معاً (team) لتحقيق هدف مشترك بحاجة إلى طرف ثالث، مثل الرأسمالي، لتوزيع الأدوار وللثواب والعقاب وإلا عانوا عدم الكفاءة الناتجة من التهرب من العمل لدى البعض. وتجري مكافأة هذا (الرأسمالي) بحصوله على ما تبقى من العائد بعد أن يحصل كل عضو من الفريق على أجره. ويقول هولمستروم إن حل هذه المعضلة هو (بفصل الملكية عن العمال. إن المؤسسات الرأسمالية أكثر كفاءة من مؤسسات الشراكة).

لم يفز أوسكار لانجه بجائزة نوبل، ولا نظيره البولوني مايكل كاليسكي الذي، بحسب الكثيرين، توصل إلى (النظرية الكينزية) قبل كينز نفسه؛ ولكن هايك فاز، ولو متأخراً. السبب ( ليس بالضرورة في هاتين الحالتين إذ لا يمكن تأكيد ذلك) على نحو عام، هو أن المنحى العام لجائزة نوبل، وإن حاول الموازنة بين الأفكار المختلفة، وخصوصاً منذ التسعينيات هو لمفاضلة الأفكار اليمينية والموالية للأسواق الحرة. وللمناسبة وكسراً لهذا التقليد، من ضمن غيرها، فاز الرياضي والاقتصادي السوفياتي ليونيد كانتارفيش بالجائزة في عام 1975 لعمله في ابتكار (البرمجة الخطّية)، وهي أدوات رياضية لحل معضلة توزيع الموارد الاقتصادية بطريقة مثلى، وهي كانت تحتل مكاناً مرموقاً في الاتحاد السوفياتي في مجال التخطيط المركزي.

للأمانة أيضاً، ليست كل أعمال هولستروم وهارت تشير إلى تفوق الأسواق الحرة أو الملكية الخاصة. مثلاً، عمل أوليفر هارت على برهنة أنه في بعض الأحيان فإن الملكية الخاصة والحوافز المرافقة لها، مثل خفض الكلفة، لها آثار سيئة. وهذا ينطبق على إدارة السجون. فالسجون المملوكة من الدولة هي أفضل من الناحية الاقتصادية من تلك المملوكة من القطاع الخاص، لأن القطاع الخاص بسعيه الدائم لخفض الكلفة يؤدي إلى تدهور الخدمات والأوضاع اليومية للمساجين. وهذا سيّئ بحد ذاته؛ حتى لو لم يؤدِّ حافز الربح في هذا القطاع إلى الوضع الكاريكاتوري من تآمر القطاع الخاص للانقلاب على الدولة وتحويل أراضيها إلى سجن ضخم مدرّ للأرباح، كما أراد الرأسمالي باسكال سوفاج أن يفعله في فيلم (جوني إنجليش).

على الرغم من ذلك، فإن الرأسمال لديه القابلية والقدرة على تحويل أي تلميح لتفوق الأسواق والحوافز المادية والملكية في الرأسمالية إلى مبررات لتعزيز وجوده وأرباحه. فنظرية العقود استعملت غطاءً لتبرير الزيادة المطّردة للأجور العالية للمديرين التنفيذيين منذ الثمانينيات حتى الآن. إذ إن هذه الأجور والمكافآت والعوائد التي تحاك في عقود معقدة تعدّ عملا بروحية عمل هولمستروم حافزاً لهؤلاء لزيادة الكفاءة والإنتاجية والأرباح لهذه الشركات، وبالتالي فإنها استعملت غطاءً لتبرير تزايد الهوة بين أجور المديرين التنفيذيين وأجر العامل المتوسط، التي كانت في 1965 تبلغ 20 إلى واحد ووصلت اليوم إلى نحو الـ 340 إلى واحد!

في الحقيقة، إن السبب في زيادة هذه العوائد يكمن في التحول الكبير في علاقات السلطة والقوة بين الرأسمال والعمال في الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد موجة (إعادة الهندسة) للشركات الأمريكية المصحوبة بـ (الاستحواذ والدمج)، التي حصلت في الثمانينيات، وضرب النقابات العمالية وضمورها. فلا علاقة بتاتاً لما حصل بالحاجة إلى عقود خاصة للمديرين التنفيذيين للتحفيز او للمكافأة على زيادة الإنتاجية، وإنما استعملت هذه النظريات تبريراً علمياً لما حصل، ليس فقط على مستوى أجور هؤلاء، بل لتبرير التحول الكبير نحو إعادة تموضع الأرباح وأهمية ذلك من أجل استمرار الرأسمالية وتطورها.

وهنا كما يقال يكمن بيت القصيد، فتطور الفكر الاقتصادي وإن أخذ منحىً حراً في بعض الأحيان، إلا أن هناك دائماً مؤسسات ومراكز سلطة في الرأسمالية إما تحرف هذا الفكر أو تعزله أو تطوعه، لأنها تعلم أنه في الصراع الإيديولوجي يجب أن تكون الغلبة لها، وخصوصاً في هذه المرحلة، فقد بدأت بوادر الأزمة العميقة للرأسمالية على المستوى المادي تظهر من حيث تشكيلها عائقاً أمام التطور التكنولوجي وتطور قوى الإنتاج. بالتالي فإن الصراع لا يزال محتدماً، وإن كانت التناقضات المادية هي ما ستنهي الرأسمالية أخيراً مهما قاتلت على المستوى الفكري ومهما وُزّع من جوائز.

هذه السنة فاز الاقتصاديان بنغت هولمستروم، وأوليفر هارت، بجائزة نوبل للاقتصاد، وذلك لعملهما في تطوير (نظرية العقود).

للوهلة الأولى، فإن الموضوع لا يبدو أنه مهم لدرجة ليستدعي جائزة بهذه الأهمية، وهذا في الكثير من الأحيان حال جوائز نوبل للاقتصاد، إذا ما قورنت بجوائز نوبل في العلوم الأخرى. لهذا الأمر أسباب عديدة، ولكن ما يهمنا هنا هو البعد السياسي أو الإيديولوجي في منح هذه الجوائز لعلم الاقتصاد، التي بدأت عام 1969 بمبادرة من المصرف المركزي السويدي، ولهذا فإن الاسم الرسمي للجائزة هو (جائزة المصرف الوطني السويدي في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفرد نوبل). يقول الاقتصادي أفنر أوفر، من جامعة أوكسفورد في كتاب صدر أخيراً، إن جائزة نوبل في الاقتصاد أنشأها المصرف السويدي من أجل الترويج للأسواق الحرة، وضد الاشتراكية الديمقراطية، التي كانت في أوج صعودها آنذاك، كمجموعة أفكار وسياسات تدعم تدخل الدولة في الاقتصاد على نحو كبير.

يعود أصل (نظرية العقود) إلى النقاش الذي حصل في الثلاثينيات بين الاقتصادي الماركسي البولوني أوسكار لانجه، والاقتصادي النمساوي المتطرف فريدريك هايك حول (اشتراكية السوق)، وما عُرف أيضاً بنقاشات الحسابات الاشتراكية. وكان النقاش قد حُسم في ذلك الوقت لمصلحة الماركسيين، إذ ساد الانطباع لدى الأكثرية أن موقف لانجه كان الصحيح من حيث مقدرة (السوق الاشتراكية) على أن تحاكي وتتفوق على السوق الراسمالية، بتحقيقها لأهداف التوزيع للموارد وللرفاه الاجتماعي الذي تدّعيه الرأسمالية لنفسها في نظريتها. واستطاع بذلك لانجه أن يقارع المنظّرين الرأسماليين في عقر دارهم وباستعمال الأدوات النظرية نفسها.

لاحقاً، وعلى عدة موجات، أضيفت إلى النقاش على نحو غير مباشر أمور مثل (كيف يؤثر وجود تعارض في المصالح بين شخصين أو مجموعتين في الوصول إلى الأهداف الاقتصادية؟)، التي للبعض هي أمور تتفاقم ضمن الاشتراكية من حيث وجود هذه الأنواع من التعارضات من دون وجود ميكانيزمات لحلّها، أو أن حلّها يتطلب إعادة ميكانيزمات أو مؤسسات رأسمالية. في إحدى أوراقه برهن (رياضياً) بنغت هولمستروم أن العمال الذين يعملون معاً (team) لتحقيق هدف مشترك بحاجة إلى طرف ثالث، مثل الرأسمالي، لتوزيع الأدوار وللثواب والعقاب وإلا عانوا عدم الكفاءة الناتجة من التهرب من العمل لدى البعض. وتجري مكافأة هذا (الرأسمالي) بحصوله على ما تبقى من العائد بعد أن يحصل كل عضو من الفريق على أجره. ويقول هولمستروم إن حل هذه المعضلة هو (بفصل الملكية عن العمال. إن المؤسسات الرأسمالية أكثر كفاءة من مؤسسات الشراكة).

لم يفز أوسكار لانجه بجائزة نوبل، ولا نظيره البولوني مايكل كاليسكي الذي، بحسب الكثيرين، توصل إلى (النظرية الكينزية) قبل كينز نفسه؛ ولكن هايك فاز، ولو متأخراً. السبب ( ليس بالضرورة في هاتين الحالتين إذ لا يمكن تأكيد ذلك) على نحو عام، هو أن المنحى العام لجائزة نوبل، وإن حاول الموازنة بين الأفكار المختلفة، وخصوصاً منذ التسعينيات هو لمفاضلة الأفكار اليمينية والموالية للأسواق الحرة. وللمناسبة وكسراً لهذا التقليد، من ضمن غيرها، فاز الرياضي والاقتصادي السوفياتي ليونيد كانتارفيش بالجائزة في عام 1975 لعمله في ابتكار (البرمجة الخطّية)، وهي أدوات رياضية لحل معضلة توزيع الموارد الاقتصادية بطريقة مثلى، وهي كانت تحتل مكاناً مرموقاً في الاتحاد السوفياتي في مجال التخطيط المركزي.

للأمانة أيضاً، ليست كل أعمال هولستروم وهارت تشير إلى تفوق الأسواق الحرة أو الملكية الخاصة. مثلاً، عمل أوليفر هارت على برهنة أنه في بعض الأحيان فإن الملكية الخاصة والحوافز المرافقة لها، مثل خفض الكلفة، لها آثار سيئة. وهذا ينطبق على إدارة السجون. فالسجون المملوكة من الدولة هي أفضل من الناحية الاقتصادية من تلك المملوكة من القطاع الخاص، لأن القطاع الخاص بسعيه الدائم لخفض الكلفة يؤدي إلى تدهور الخدمات والأوضاع اليومية للمساجين. وهذا سيّئ بحد ذاته؛ حتى لو لم يؤدِّ حافز الربح في هذا القطاع إلى الوضع الكاريكاتوري من تآمر القطاع الخاص للانقلاب على الدولة وتحويل أراضيها إلى سجن ضخم مدرّ للأرباح، كما أراد الرأسمالي باسكال سوفاج أن يفعله في فيلم (جوني إنجليش).

على الرغم من ذلك، فإن الرأسمال لديه القابلية والقدرة على تحويل أي تلميح لتفوق الأسواق والحوافز المادية والملكية في الرأسمالية إلى مبررات لتعزيز وجوده وأرباحه. فنظرية العقود استعملت غطاءً لتبرير الزيادة المطّردة للأجور العالية للمديرين التنفيذيين منذ الثمانينيات حتى الآن. إذ إن هذه الأجور والمكافآت والعوائد التي تحاك في عقود معقدة تعدّ عملا بروحية عمل هولمستروم حافزاً لهؤلاء لزيادة الكفاءة والإنتاجية والأرباح لهذه الشركات، وبالتالي فإنها استعملت غطاءً لتبرير تزايد الهوة بين أجور المديرين التنفيذيين وأجر العامل المتوسط، التي كانت في 1965 تبلغ 20 إلى واحد ووصلت اليوم إلى نحو الـ 340 إلى واحد!

في الحقيقة، إن السبب في زيادة هذه العوائد يكمن في التحول الكبير في علاقات السلطة والقوة بين الرأسمال والعمال في الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد موجة (إعادة الهندسة) للشركات الأمريكية المصحوبة بـ (الاستحواذ والدمج)، التي حصلت في الثمانينيات، وضرب النقابات العمالية وضمورها. فلا علاقة بتاتاً لما حصل بالحاجة إلى عقود خاصة للمديرين التنفيذيين للتحفيز او للمكافأة على زيادة الإنتاجية، وإنما استعملت هذه النظريات تبريراً علمياً لما حصل، ليس فقط على مستوى أجور هؤلاء، بل لتبرير التحول الكبير نحو إعادة تموضع الأرباح وأهمية ذلك من أجل استمرار الرأسمالية وتطورها.

وهنا كما يقال يكمن بيت القصيد، فتطور الفكر الاقتصادي وإن أخذ منحىً حراً في بعض الأحيان، إلا أن هناك دائماً مؤسسات ومراكز سلطة في الرأسمالية إما تحرف هذا الفكر أو تعزله أو تطوعه، لأنها تعلم أنه في الصراع الإيديولوجي يجب أن تكون الغلبة لها، وخصوصاً في هذه المرحلة، فقد بدأت بوادر الأزمة العميقة للرأسمالية على المستوى المادي تظهر من حيث تشكيلها عائقاً أمام التطور التكنولوجي وتطور قوى الإنتاج. بالتالي فإن الصراع لا يزال محتدماً، وإن كانت التناقضات المادية هي ما ستنهي الرأسمالية أخيراً مهما قاتلت على المستوى الفكري ومهما وُزّع من جوائز.

(الأخبار)

تمت قراءته 551 مرات