العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

واقع القطاع الزراعي ومراجعة تحليلية للسياسات الاقتصادية الكلية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

في الذكرى الخمسين لتأسيس جمعية العلوم الاقتصادية

 نظمت جمعية العلوم الاقتصادية احتفالاً بقاعة رضا سعيد بجامعة دمشق بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيسها، حيث تأسست هذه الجمعية عام 1965 وعكست التنوع الفكري والتعددي في المجتمع والاقتصاد وركزت على أهمية خدمة الاقتصاد السوري والارتقاء به، وكان لها دور بارز في ذلك عن طريق نشاطاتها العلمية من خلال حلقات البحث والمشاركات الحوارية مع جهات اقتصادية سورية، ونشاطها الأبرز هو (الثلاثاء الاقتصادي) الذي أصبح بيتاً للحوار وتبادل وجهات النظر بما يخدم الوطن والمواطن، وعملت هذه الجمعية على المساعدة في كشف ثغرات الاقتصاد السوري والعمل على إصلاحه وتطويره. في العدد الماضي من جريدة (النور، عرضت كلمة الافتتاح وملخص الورقتين الأولى والثانية من الإوراق التي قدمت في الاحتفال.

الأشقر: القطاع الزراعي صامد

 الدكتور هيثم الأشقر (مدير التخطيط والتعاون الدولي في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي) الورقة الثالثة التي تمحورت حول واقع القطاع الزراعي خلال  الأزمة والإجراءات الحكومية المتخذة، فتحدث عن أهمية القطاع الزراعي باعتباره القطاع الأساس للمنتجات الغذائية، وعن تأثر هذا القطاع كغيره من القطاعات الأخرى بالأزمة السورية، إلا أنه بقي الأكثر صموداً بسبب إصرار المزارعين السوريين على زراعة أرضهم رغم كل الظروف المحيطة بهم، واستمرار الحكومة بدعم هذا القطاع، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من آثار الأزمة عليهم، عن طريق تأمين مستلزمات الإنتاج قدر الإمكان لتشجيع المنتجين على الاستمرار بالعملية الإنتاجية، ودعم أسعار البذار وسعر المنتج النهائي أو الدعم الكامل على أساس وحدة المساحة.

كما قدم لمحة عن واقع القطاع الزراعي خلال سنوات الأزمة في مجالي الإنتاج النباتي والحيواني، ففي مجال الإنتاج النباتي بيّن انخفاض نسب تنفيذ المساحات والإنتاج المخططين خلال سنوات الأزمة نتيجة للظروف الأمنية وصعوبة وصول بعض المزارعين إلى حقولهم، وعدم توفر المحروقات الكافية لعمل الآلات الزراعية وللري في الوقت المناسب، كما أن بعض مواقع الزراعة والتي تعتبر من الاأماكن الهامة من حيث المساحة والإنتاج باتت غير آمنة بالنسبة للمزارعين، حيث يتعرضون للخطف والقتل والسرقة.

وأكد أنه رغم كل تلك الصعوبات والمعوقات فقد بقيت نسب تنفيذ المساحة جيدة نوعاً ما، وخاصة فيما يتعلق بالمحاصيل الاستراتيجية (76% للقمح) و(83% للشعير)، ويعود ذلك لإجراءات الحكومة المتخذة للتخفيف من الآثار السلبية للأزمة الحالية عن طريق التنسيق مع الإدارة العامة للمصرف الزراعي التعاوني لتسهيل منح القروض أو تأجيل سداد القروض الممنوحة سابقاً والمتعثرة لأسباب قاهرة، والعمل لتأمين مستلزمات الإنتاج (أسمدة، بذار،... إلخ) وفق الإمكانات المتاحة، والتنسيق مع وزارة النفط لتأمين المحروقات لتنفيذ الخطة الزراعية، ومع وزارة الموارد المائية لتأمين مياه الري بالشكل الأفضل، وتقديم جميع التسهيلات لتسويق الحبوب وحاصة القمح، والاستمرار بتسعير المحاصيل الاستراتيجية بأسعار تشجيعية مجزية، والعمل على تقديم كل أشكال الدعم للمزارعين لضمان استمرار العملية الإنتاجية.

أما في مجال الإنتاج الحيواني، فوضّح أن الظروف الحالية أدت إلى انخفاض عام بأعداد الثروة الحيوانية وساهم بذلك أيضاً الذبح العشوائي للإناث والتهريب خارج القطر، كما حدث ارتفاع كبير بأسعار مستلزمات الإنتاج (أعلاف، أدوية بيطرية، لقاحات، أجور نقل)، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الماشية والمنتجات الحيوانية في الأسواق، وعدم القدرة على نقل القطعان بسهولة إلى مناطق الرعي، وتوقف بعض المنشآت التابعة للمؤسسة العامة للدواجن بسبب الظروف الراهنة وتخريب خطوط الإنتاج فيها.

وأوضح إجراءات الوزارة الرامية لتحسين واقع الإنتاج الحيواني عن طريق الموافقة على نقل معامل الأدوية البيطرية المرخصة من بعض المحافظات إلى غيرها، وإعفاء قطاعي الدواجن والمباقر من ضريبة الدخل لمدة خمس سنوات، والاستمرار بإيصال مستلزمات التلقيح الاصطناعي والرعاية التناسلية واللقاحات إلى جميع مناطق القطر، وإعفاء الأبقار المستوردة بهدف التربية من الرسوم الجمركية، وتشديد الرقابة على معامل الأعلاف، وبيع المواد العلفية من قبل المؤسسة العامة للأعلاف بأسعار تقل عن أسعار التكلفة الحقيقية.

كما قدم بعض الإجراءات المقترحة لتطوير القطاع الزراعي وأهمها: إعطاء المزراعين حرية أكبر عند اختيار زراعتهم، والحفاظ على التخطيط للمحاصيل الاستراتيجية الرئيسة، والاستمرار بعملية استصلاح الأراضي وزراعتها حسب الأنواع والأصناف الملائمة بيئياً لكل منطقة والتركيز على الأنواع المرغوبة للتصدير الخارجي، والاستمرار بسياسة التسعير للمحاصيل الاستراتيجية، وخاصة القمح والشعير التي تناسب السياسة العامة للدولة، وإقامة جمعيات تسويقية للمنتجين ذوي المصالح المتشابهة والمشتركة من أجل تخفيض التكاليف وزيادة أسعار البيع، وتشجيع نشر تقنية الزراعة العضوية والزراعة الحافظة والعمل على إيجاد البدائل المناسبة كالمحاصيل المحتملة للجفاف والمقاومة للملوحة والأقل حاجة للمياه، وإجراء عمليات التحسين الوراثي على الأنواع الحيوانية، وتأمين الأعلاف بالأسعار المناسبة وتطوير الصناعات الريفية وإقامة منشآت التصنيع في مناطق الإنتاج.

الحمش: تصحيح السياسات الاقتصادية

أما الورقة الرابعة فقد تمحورت حول (مراجعة تحليلية للسياسات الاقتصادات الكلية وتصحيح المسار) وقد قام بتقديمها الدكتور منير الحمش.

فتحدث في البداية عن الأساس النظري للسياسات الاقتصادية الكلية في سنوات الخطة الخمسية العاشرة (مرحلة ما قبل الأزمة)، حين قررت السلطة السياسية اختيار طريق اقتصاد السوق الاجتماعي، فسيطرت قوى الليبرالية الاقتصادية الجديدة المدعومة بقوى الفساد التي وضعت السياسات الاقتصادية والمالية والتجارية، من أجل احتواء عجز الميزانية العامة ومكافحة التضخم وإزالة التشوهات السعرية، والقضاء على البطالة وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وما إلى ذلك من أهداف أعلنتها الحكومة لتبرير سياستها أمام الرأي العام، وإخفاء الأهداف الحقيقية المتمثلة بتقليص دور الدولة في إدارة الاقتصاد وتنميته، وإعادة بناء الأسواق وإعطائها الأولوية في تسيير الاقتصاد الوطني، وإعادة بناء الرأسمالية المحلية وتعظيم دورها السياسي..وترافق ذلك كله بانتشار الفساد والإفساد، وإعلاء شأن المضاربة والسمسرة والوساطة.

ثم تابع فتحدث عن السياسات الاقتصادية الراهنة، فأكد أن الحكومات المتعاقبة بعد بداية الأحداث استمرت على نهج الحكومات السابقة، ذلك النهج الهادف إلى لبرلة الاقتصاد وخصخصته، وتحدث عن الأحداث الدامية في مختلف أنحاء البلاد وتراجع القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وتخريب البنى التحتية، وخاصة ما يتعلق بالطاقة، والحصار المفروض على بعض المدن والمناطق، وحالات النزوح داخل البلاد والهجرة وخارجها، وازدياد معدل البطالة، وارتفاع مستوى الفقر الشديد، وتراجع قيمة صرف العملة الوطنية الذي انعكس على مستويات أسعار المواد والخدمات، وأكد ضرورة التدخل الإيجابي في السوق من قبل الدولة والتوسع بافتتاح مؤسسات تجارة التجزئة للبيع للمستهلك.

وأخيراً تحدث عن تصحيح مسار السياسات الاقتصادية الكلية الذي يجب أن يتم على مرحلتين حسب رأيه، الأولى تحت وطأة الأحداث الدامية، فركز على ضرورة توجيه جميع الجهود والموارد المادية والبشرية في البلاد لخدمة المجهود الحربي، ودعم القوات المسلحة في نضالها ضد الإرهاب، وتشكيل خلية أزمة من الوزراء المعنيين، ومنحهم سلطات استثنائية وتكون مهمة الخلية هي تأمين احتياجات السكان في مختلف المناطق من المواد والسلع الحياتية بالكميات والأسعار المناسبة، والإشراف على سلامة النقل والتنقل ضمن المدن وفيما بينها، وتأمين الطاقة الكهربائية والمشتقات النفطية للاستخدامات السكنية، والإشراف على استقرار أسعار الصرف وملاحقة المتلاعبين والمضاربين، كما أكد ضرورة إعلاء شأن القانون والضرب بيد من حديد على كل من يخالف، والتأكيد على الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وعدم اتخاذ أي إجراء حكومي يؤدي إلى تغيير في الهياكل الاقتصادية أو إصدار قرارات وقوانين من شأنها إضعاف قوة الدولة.

وتابع إن أهم الإجراءات المقترحة في المرحلة الثانية مرحلة الأمن والاستقرار، ستكون إعداد لوحة تفصيلية عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي بعد الأحداث والوقوف على حجم الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للسوريين ومعالجتها، واختتم حديثه بالأهداف السياسية في هذه المرحلة، وهي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومعالجة الآثار الناجمة عن الأزمة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك إعادة إعمار ما تم تدميره، وتحقيق العدالة الاجتماعية والارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية.

تمت قراءته 573 مرات